و ما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم، و الله تعالى عالم بالمصالح و المفاسد، فيثبت ما يشاء و ينسخ ما يشاء بحكمته، وهذا معنى قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) ، فطعنوا في ذلك لجهلهم و بعدهم عن العلم بالناسخ و المنسوخ [1] .
1 -ما يزال القرآن يتصدى لما كان عليه اليهود و إن شاركهم فيه غيرهم من المشركين كإنكار تحويل القبلة و النسخ، لقد مهد الله تعالى لهم تحويل القبلة في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [2] ، مهد لهم حتى لا يفاجأ المسلمون بشيء من حملات التشويش و التشكيك، فأوضح تعالى أن سفهاء الأحلام و ضعفاء العقول و الإيمان من طوائف اليهود و المشركين و المنافقين سيقولون منكرين متعجبين: أي شيء صرف المسلمين عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهي قبلة الأنبياء.
أما اليهود فساءهم ترك الاتجاه لقبلتهم، وأما المشركون فقصدوا الطعن في الدين، وأما المنافقون فشأنهم انتهاز الفرص لزرع الشكوك في الدين [3] .
2 -قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) [4] . معنى قوله تعالى: (قدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)
(1) الزمخشري: أبي القاسم محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود؛ والشيخ علي محمد عوض، ط 1 (الرياض: مكتبة العبيكان، 1418 هـ - 1998 م) ، 3/ 473.
(2) سورة البقرة، من الآية: 143.
(3) الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة و الشريعة و المنهج، 2/ 8.
(4) سورة البقرة، من الآية: 144.