خصمه عليه بالأدلة الدامغة ويراها واضحًا، ولكن تأخذه العزة بالإثم فيتمادى في لجاجته وحينئذ يسمى مكابرة (2) .
أول من سن الجدال الملائكة صلوات الله عليهم حيث قالوا: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَالَا تَعْلَمُونَ) (3) , وهذا منهم استدلال بالترجيح والأولوية , وكان جواب الله لهم بالترجيح أيضا من جهة أخرى ولهذا لم يرد عليهم قولهم إذ قد علم سبحانه أن الذي ظنوه فيهم ووصفوهم به كائن بل عدل الله سبحانه إلى أمر مجمل فقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) , من ترتيب خلقي وتدبير صنعي المحوط بالحكمة الدال على خلقهم , ورجحت حجة الله سبحانه على الملائكة في مدحهم.
فأما إبليس فهو أول من أظهر الخلاف وركب العناد وسار به في البلاد ,والفرق بينه وبين ملائكة لم يظهر منهم خلاف ولا عصيان , بل طلبوا بسؤالهم الإيضاح والبيان , وإبليس أفتى ودل في مسألته فانقطع في مجادلته وخسر في كرته وبيان فساد تعليله , وأزاغته عن الصواب في تأويله , وأنه قال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [1] ,
(1) سورة الأعراف , من الآية: 12.
(2) ابن الحنبلي , ناصح الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن نجم بن عبدالوهاب الأنصاري , استخراج الجدال من القرآن الكريم , تحقيق: محمد بن صبحي بن حسن حلاق , ط 1 (بيروت - لبنان: دار الريان , 1413 هـ - 1992 م) , صـ 31.
(3) العثمان , حمد بن إبراهيم , أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة , ط 1 (الكويت - الفحيحيل: مكتبة ابن القيم , 1422 هـ - 2001 م) , صـ 93.
سورة النحل , من الآية: 125.