يخبرنا عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه في حديث جبريل المشهور هذا بأن جبريل عليه السلام خرج عليهم بصورة رجل لا يعرف وهم جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجلس بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - جلسة المتعلم المسترشد فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فأجابه بهذه الأركان التي تتضمن الإقرار بالشهادتين والمحافظة على الصلوات الخمس وأداء الزكاة لمستحقيها وصيام شهر رمضان بنية صادقة وأداء فريضة الحج على المستطيع والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق، المتصف بالكمال المنزه عن النقص. وأن الملائكة خلقهم الله عباد مكرمون لا يعصون الله تعالى وبأمره يعملون، والإيمان بالكتب المنزلة على الرسل من عند الله تعالى وبالرسل المبلغين عن الله دينه وأن الإنسان يعبد الله كأنه يشاهده سبحانه، فإن لم يقم بهذه العبادة فليعبد الله تعالى خوفا منه لعلمه أنه مطلع لا تخفي عليه خافية، وأن علم الساعة لا يعلمه أحد من الخلق وأن من علامات الساعة كثر في السراري وأولادها أو كثرة عقوق الأولاد لأمهاتهم يعاملونهن معاملة الإماء، وأن رعاة الغنم والفقراء تبسط لهم الدنيا في آخر الزمان فيتفاخرون وفي زخرفة المباني وتشييدها. وكل هذه الأسئلة والأجوبة عليها لتعليم هذا الدين الحنيف من جبريل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جِدًّا، يَشْتَمِلُ عَلَى شَرْحِ الدِّينِ كُلِّهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي آخِرِهِ:" «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» "بَعْدَ أَنْ شَرَحَ دَرَجَةَ الْإِسْلَامِ، وَدَرَجَةَ الْإِيمَانِ، وَدَرَجَةَ الْإِحْسَانِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا. [1]
فَأَمَّا الْإِسْلَامُ، فَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَهُوَ عَمَلُ اللِّسَانِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى عَمَلٍ بَدَنِيٍّ: كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَإِلَى عَمَلٍ مَالِيٍّ: وَهُوَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَإِلَى مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا، كَالْحَجِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الِاعْتِمَارَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِتْمَامَ الْوُضُوءِ، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَاهُنَا أُصُولَ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُسْلِمٌ؟» قَالَ:""
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 97)