نَعَمْ"يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَمَّلَ الْإِتْيَانَ بِمَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، صَارَ مُسْلِمًا حَقًّا، مَعَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، صَارَ مُسْلِمًا حُكْمًا، فَإِذَا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ، أُلْزِمَ بِالْقِيَامِ بِبَقِيَّةِ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَرَكَ الشَّهَادَتَيْنِ، خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفِي خُرُوجِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي تَرْكِهِ بَقِيَّةَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . وَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . وَفِي"صَحِيحِ الْحَاكِمِ"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَسْلِيمُكَ عَلَى بَنِي آدَمَ إِذَا لَقِيتَهُمْ وَتَسْلِيمُكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ، فَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، فَهُوَ سَهْمٌ مِنَ الْإِسْلَامِ تَرَكَهُ، وَمَنْ يَتْرُكْهُنَّ، فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ» [1] ."
وَأَمَّا الْإِيمَانُ، فَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ، فَقَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فِي مَوَاضِعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] (الْبَقَرَةِ: 285) . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] الْآيَةَ (الْبَقَرَةِ: 277) ، وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 3 - 4] (الْبَقَرَةِ: 3 - 4) . وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْكِتَابِ وَالْبَعْثِ، وَالْقَدَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ كَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ. وَقَدْ أَدْخَلَ فِي الْإِيمَانِ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ رَوَى ابْنُ عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ: يَعْنِي أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ سَابِقُ قَدَرٍ مِنَ
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 98)