عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، وَإِنْ عَلَا وَبِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفُلَ، وَدُخُولُ هَؤُلَاءِ فِي التَّحْرِيمِ بِالنَّسَبِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ مِنْ جِهَةِ نَسَبِ الرَّجُلِ مَعَ سَبَبِ الْمُصَاهَرَةِ. وَأَمَّا أُمَّهَاتُ نِسَائِهِ وَبَنَاتُهُنَّ، فَتَحْرِيمُهُنَّ مَعَ الْمُصَاهَرَةِ بِسَبَبِ نَسَبِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَخْرُجِ التَّحْرِيمُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ بِالنَّسَبِ مَعَ انْضِمَامِهِ إِلَى سَبَبِ الْمُصَاهَرَةِ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ بِالسَّبَبِ الْمُجَرَّدِ، وَالنَّسَبِ الْمُضَافِ إِلَى الْمُصَاهَرَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ؛ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أُصُولَهَا وَإِنْ عَلَوْا، وَفُرُوعَهَا وَإِنْ سَفُلُوا، وَفُرُوعَ أُصُولِهَا الْأَدْنَى وَإِنْ سَفُلُوا مِنْ إِخْوَتِهَا، وَأَوْلَادَ الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفُلُوا، وَفُرُوعَ أُصُولِهَا الْبَعِيدَةِ وَهُمُ الْأَعْمَامُ وَالْأَخْوَالُ وَإِنْ عَلَوْا دُونَ أَبْنَائِهِمْ، فَهَذَا كُلُّهُ بِالنَّسَبِ الْمُجَرَّدِ.
وَأَمَّا بِالنَّسَبِ الْمُضَافِ إِلَى الْمُصَاهَرَةِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا نِكَاحُ أَبِي زَوْجِهَا وَإِنْ عَلَا، وَنِكَاحُ ابْنِهِ وَإِنْ سَفُلَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا زَوْجُ ابْنَتِهَا وَإِنْ سَفُلَتْ بِالْعَقْدِ، وَزَوْجُ أُمِّهَا وَإِنْ عَلَتْ، لَكِنْ بِشَرْطِ الدُّخُولِ بِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ عَلَى الِاجْتِمَاعِ دُونَ الِانْفِرَادِ، وَتَحْرِيمُهُ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِاسْتِحَالَةِ إِبَاحَةِ جَمْعِ الْمَرْأَةِ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، فَكُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرَّمٌ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُونَ: لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا رَجُلًا لَمْ يَصْلُحْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَهَذَا إِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ لِأَجْلِ النَّسَبِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ النَّسَبِ مِثْلَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ زَوْجَةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يُبَاحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ. فَإِذَا عُلِمَ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، فَكُلُّ مَا يَحْرُمُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ نَظِيرُهُ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَبَنَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَإِنْ سَفُلْنَ، وَأَخَوَاتَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَبَنَاتِ أَخَوَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَعَمَّاتِهِ وَخَالَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَإِنْ عَلَوْنَ دُونَ بَنَاتِهِنَّ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَرْضَعَتْ طِفْلًا الرَّضَاعَ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، صَارَتْ أُمًّا لَهُ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ هِيَ وَأُمَّهَاتُهَا، وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَتَصِيرُ بَنَاتُهَا كُلُّهُنَّ أَخَوَاتٍ لَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَيَحْرُمْنَ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؛ وَبَقِيَّةُ التَّحْرِيمِ مِنَ الرَّضَاعَةِ اسْتُفِيدَ مِنَ السُّنَّةِ، كَمَا اسْتُفِيدَ مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ لَا يَخْتَصُّ بِالْأُخْتَيْنِ، بَلِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ أَوْلَادُ