فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 225

الْمُرْضِعَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إِخْوَةً لِلْمُرْتَضِعِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بَنَاتُ إِخْوَتِهِ أَيْضًا، وَقَدِ امْتَنَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ تَزْوِيجِ ابْنَةِ عَمِّهِ حَمْزَةَ وَابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ أَبَوَيْهِمَا كَانَا أَخَوَيْنِ لَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَخَوَاتُ الْمُرْضِعَةِ، لِأَنَّهُنَّ خَالَاتُهُ، وَيَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ أَيْضًا إِلَى الْفَحْلِ صَاحِبِ اللَّبَنِ الَّذِي ارْتَضَعَ مِنْهُ الطِّفْلُ، فَيَصِيرُ صَاحِبُ اللَّبَنِ أَبًا لِلطِّفْلِ، وَتَصِيرُ أَوْلَادُهُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمُرْضِعَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إِخْوَةً لِلْمُرْتَضِعِ وَيَصِيرُ إِخْوَتُهُ أَعْمَامًا لِلطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. [1]

قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ الْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ: أَعْطُوا الْفَرَائِضَ الْمُقَدَّرَةَ لِمَنْ سَمَّاهَا اللَّهُ لَهُمْ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ هَذِهِ الْفُرُوضِ، فَيَسْتَحِقُّهُ أَوْلَى الرِّجَالِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوْلَى الْأَقْرَبُ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا يَلِي هَذَا، أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ، فَأَقْرَبُ الرِّجَالِ هُوَ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ، فَيَسْتَحِقُّ الْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَسَرَّ الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، نَقَلَهُ عَنْهُمَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ وَعَمٌّ وَابْنُ عَمٍّ أَوِ ابْنُ أَخٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ بَعْدَ نِصْفِ الْبِنْتِ الْعَصَبَةُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَيُقِرُّ بِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، وَذَهَبَتِ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى قَوْلِهِ أَيْضًا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ عَصَبَةٌ، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، فَالْأُخْتُ لَهَا الْبَاقِي، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: الْبِنْتُ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ، وَرَدَّ بَعْضُهُمْ هَذَا، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَسْرُوقٌ يَقُولَانِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْهُ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ عَصَبَةٌ لَهَا مَا فَضُلَ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ، وَزَيْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَتَابَعَهُمْ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ. [2]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: «فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَصَبَةُ الْبَعِيدُ خَاصَّةً، كَبَنِي الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، دُونَ الْعَصَبَةِ الْقَرِيبِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْفُرُوضِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى إِذَا كَانَ الْعَصَبَةُ قَرِيبًا، كَالْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ الْأُخْتُ مَعَ الْبِنْتِ بِالنَّصِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُخَصُّ مِنْهُ هَذِهِ

(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 438)

(2) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 419)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت