فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 225

وَهُوَ مِمَّا اجْتَمَعَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ. وَخَالَفَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا هِيَ خَمْرُ الْعِنَبِ خَاصَّةً، وَمَا عَدَاهَا، فَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُسْكِرُ، وَلَا يَحْرُمُ مَا دُونَهُ، وَمَا زَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي ذَلِكَ مُجْتَهِدِينَ مَغْفُورًا لَهُمْ، وَفِيهِمْ خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ إِنَّمَا نَزَلَ فِي الْمَدِينَةِ بِسَبَبِ سُؤَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا خَمْرُ الْعِنَبِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ آيَةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ شَامِلَةً لِمَا عِنْدَهُمْ، لَمَا كَانَ فِيهَا بَيَانٌ لِمَا سَأَلُوا عَنْهُ، وَلَكَانَ مَحَلُّ السَّبَبِ خَارِجًا مِنْ عُمُومِ الْكَلَامِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ أَرَاقُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ مِنَ الْخَمْرِ الْمَأْمُورِ بِاجْتِنَابِهِ.

وَقَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ تَحْتَجُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» عَلَى تَحْرِيمِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ، مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْبَاذِقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذِقَ، فَمَا أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْكِرًا، فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ الْعَامَّةِ. [1]

(10) اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْكِرَ الْمُزِيلَ لِلْعَقْلِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ فِيهِ لَذَّةٌ وَطَرَبٌ، فَهَذَا هُوَ الْخَمْرُ الْمُحَرَّمُ شُرْبُهُ، قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمُسْكِرُ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَطْعُومًا أَوْ مَشْرُوبًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَبٍّ أَوْ ثَمَرٍ أَوْ لَبَنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ الْحَشِيشَةَ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْ وَرَقِ الْقِنَّبِ، وَغَيْرَهَا مِمَّا يُؤْكَلُ لِأَجْلِ لَذَّتِهِ وَسُكْرِهِ

وَالثَّانِي: مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ وَيُسْكِرُ، لَا لَذَّةَ فِيهِ وَلَا طَرَبَ، كَالْبِنْجِ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ تَنَاوَلَهُ لِحَاجَةِ التَّدَاوِي بِهِ، وَكَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ جَازَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا وَقَعَتِ الْأَكِلَةُ فِي رِجْلِهِ، وَأَرَادُوا قَطْعَهَا، قَالَ لَهُ الْأَطِبَّاءُ: نَسْقِيكَ دَوَاءً حَتَّى يَغِيبَ عَقْلُكَ، وَلَا تُحِسَّ بِأَلَمِ الْقَطْعِ، فَأَبَى، وَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ خَلْقًا يَشْرَبُ شَرَابًا يَزُولُ مِنْهُ عَقْلُهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ رَبَّهُ.

(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 459)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت