الْقَلْبِ، وَقُوَّةَ الْفَهْمِ، وَانْكِسَارَ النَّفْسِ، وَضَعْفَ الْهَوَى وَالْغَضَبِ، وَكَثْرَةُ الْغِذَاءِ تُوجِبُ ضِدَّ ذَلِكَ. قَالَ الْحَسَنُ: يَابْنَ آدَمَ كُلْ فِي ثُلُثِ بَطْنِكَ، وَاشْرَبْ فِي ثُلُثِهِ، وَدَعْ ثُلَثَ بَطْنِكَ يَتَنَفَّسُ لِتَتَفَكَّرَ. [1]
(10) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، قَالَ: مَنْ قَلَّ طُعْمُهُ فَهِمَ وَأَفْهَمَ، وَصَفَا، وَرَقَّ، وَإِنَّ كَثْرَةَ الطَّعَامِ لَيُثْقِلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُرِيدُ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْخَوَّاصِ، قَالَ: حَتْفُكَ فِي شِبَعِكَ، وَحَظُّكَ فِي جُوعِكَ، وَإِذَا أَنْتَ شَبِعْتَ ثَقُلْتَ، فَنِمْتَ، اسْتَمْكَنَ مِنْكَ الْعَدُوُّ فَجَثَمَ عَلَيْكَ، وَإِذَا أَنْتَ تَجَوَّعْتَ كُنْتَ لِلْعَدُوِّ بِمَرْصَدٍ. [2]
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قَالَ: مَنْ ضَبَطَ بَطْنَهُ ضَبَطَ دِينَهُ، وَمَنْ مَلَكَ جُوعَهُ مَلَكَ الْأَخْلَاقَ الصَّالِحَةَ، وَإِنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ بَعِيدَةٌ مِنَ الْجَائِعِ، قَرِيبَةٌ مِنَ الشَّبْعَانِ، وَالشِّبَعُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْفَرَحُ وَالْمَرَحُ وَالضَّحِكُ. [3]
(11) قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ ظَهَرَ لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَرَأَى عَلَيْهِ مَعَالِيقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: يَا إِبْلِيسُ، مَا هَذِهِ الْمَعَالِيقُ الَّتِي أَرَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: هَذِهِ الشَّهَوَاتُ الَّتِي أُصِيبُ مِنْ بَنِي آدَمَ، قَالَ: فَهَلْ لِي فِيهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: رُبَّمَا شَبِعْتَ، فَثَقَّلْنَاكَ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الذِّكْرِ، قَالَ: فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَمْلَأَ بَطْنِي مِنْ طَعَامٍ أَبَدًا، قَالَ: فَقَالَ إِبْلِيسُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْصَحَ مُسْلِمًا أَبَدًا. [4]
(12) وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: إِنَّ النَّفْسَ إِذَا جَاعَتْ وَعَطِشَتْ، صَفَا الْقَلْبُ وَرَقَّ، وَإِذَا شَبِعَتْ وَرُوِيَتْ، عَمِيَ الْقَلْبُ، وَقَالَ: مِفْتَاحُ الدُّنْيَا الشِّبَعُ، وَمِفْتَاحُ الْآخِرَةِ الْجُوعُ، وَأَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَإِنَّ الْجُوعَ عِنْدَهُ فِي خَزَائِنَ مُدَّخَرَةٍ، فَلَا يُعْطِي إِلَّا مِنْ أَحَبَّ خَاصَّةً، - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ بِأَدَبِ الشَّرْعِ، فَيَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ بِمُقْتَضَى الشَّهْوَةِ وَالشَّرَهِ وَالنَّهَمِ، فَيَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ. وَنَدَبَ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ التَّقَلُّلِ مِنَ الْأَكْلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِبَعْضِ الطَّعَامِ إِلَى الْإِيثَارِ بِالْبَاقِي مِنْهُ، فَقَالَ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ فَأَحْسَنُ مَا أَكَلَ الْمُؤْمِنُ فِي
(1) -جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 469)
(2) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 471)
(3) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 473)
(4) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 473)