فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 225

ذَكَرُوهُ فِي الشِّتَاءِ وَبَرْدِهِ فَارْفَضُّوا عَرَقًا مِنْ خَوْفِهِ، وَقَوْمٌ ذَكَرُوهُ، فَحَالَتْ أَلْوَانُهُمْ غُبْرًا، وَقَوْمٌ ذَكَرُوهُ فَجَفَّتْ أَعْيُنُهُمْ سَهَرًا. [1]

(8) أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ، فَمَشْرُوعٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي بَعْضِهَا. فَمِمَّا يَتَأَكَّدُ فِيهِ الذِّكْرُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، وَأَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا مِائَةَ مَرَّةٍ مَا بَيْنَ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ. وَيُسْتَحَبُّ - أَيْضًا - الذِّكْرُ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا تَطَوُّعَ بَعْدَهُمَا، وَهُمَا: الْفَجْرُ وَالْعَصْرُ، فَيُشْرَعُ الذِّكْرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَهَذَانِ الْوَقْتَانِ - أَعْنِي وَقْتَ الْفَجْرِ وَوَقْتَ الْعَصْرِ - هُمَا أَفْضَلُ أَوْقَاتِ النَّهَارِ لِلذِّكْرِ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ فِيهِمَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42] [الْأَحْزَابِ: 42] ، وَقَوْلِهِ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 25] [الْإِنْسَانِ: 25] ، وَقَوْلِهِ: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] [آلِ عِمْرَانَ: 41] .

وَأَفْضَلُ مَا فُعِلَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ مِنَ الذِّكْرِ: صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ، وَهُمَا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ. وَقَدْ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: إِنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى وَهُمَا الْبَرْدَانِ اللَّذَانِ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِمَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَيَلِيهِمَا مِنْ أَوْقَاتِ الذِّكْرِ اللَّيْلُ. وَلِهَذَا يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ تَسْبِيحُ اللَّيْلِ وَصَلَاتُهُ. وَالذِّكْرُ الْمُطْلَقُ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَتَعَلُّمُهُ، وَتَعْلِيمُهُ، وَالْعِلْمُ النَّافِعُ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَجَّحَ التِّلَاوَةَ عَلَى التَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ.

فَإِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّوْمِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَنَامَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ وَذِكْرٍ، فَيُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُكَبِّرُ تَمَامَ مِائَةٍ، كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا أَنْ يَفْعَلَاهُ عِنْدَ مَنَامِهِمَا وَيَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ النَّوْمِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ يَنَامُ عَلَى ذَلِكَ. فَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ، وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَذْكُرِ اللَّهَ كُلَّمَا تَقَلَّبَ

ثُمَّ إِذَا قَامَ إِلَى الْوُضُوءِ وَالتَّهَجُّدِ، أَتَى بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَيَخْتِمُ تَهَجُّدَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ فِي السَّحَرِ، كَمَا مَدَحَ اللَّهُ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ، وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ، وَاشْتَغَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَمْ يَزَلْ لِسَانُهُ

(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 522)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت