(6) إِذَا قَوِيَ حَالُ الْمُحِبِّ وَمَعْرِفَتُهُ، لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ شَاغِلٌ، فَهُوَ بَيْنَ الْخَلْقِ بِجِسْمِهِ، وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي وَصْفِهِمْ: صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَجْسَادٍ أَوَرَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ:
جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمْ ... فَالْجِسْمُ فِي غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ
وَهَذِهِ كَانَتْ حَالُ الرُّسُلِ وَالصِّدِّيقِينِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الأنفال: 45] [الْأَنْفَالِ: 45] . [1]
(7) قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ: كَانَ يُقَالُ: مِنْ عَلَامَةِ الْمُحِبِّ لِلَّهِ دَوَامُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَقَلَّمَا وَلِعَ الْمَرْءُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَفَادَ مِنْهُ حُبَّ اللَّهِ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي مُنَاجَاتِهِ: إِذَا سَئِمَ الْبَطَّالُونَ مِنْ بِطَالَتِهِمْ، فَلَنْ يَسْأَمَ مُحِبُّوكَ مِنْ مُنَاجَاتِكَ وَذِكْرِكَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُحَوَّلِيُّ: وَلِيُّ اللَّهِ الْمُحِبُّ لِلَّهِ لَا يَخْلُو قَلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، وَلَا يَسْأَمُ مَنْ خِدْمَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ، وَالْمَعْنَى: فِي حَالِ قِيَامِهِ وَمَشْيِهِ وَقُعُودِهِ وَاضْطِجَاعِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ عَلَى حَدَثٍ. وَكَانَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفُ عُقْدَةٍ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ. وَكَانَ خَالِدُ بْنُ مِعْدَانَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ سِوَى مَا يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا مَاتَ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ لِيُغَسَّلَ، فَجَعَلَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ يُحَرِّكُهَا بِالتَّسْبِيحِ.
كُلَّما قَوِيَتِ الْمُعَرَّفَةُ، صَارَ الذِّكْرُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الذَّاكِرِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ فِي مَنَامِهِ: اللَّهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا يُلْهَمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ التَّسْبِيحَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ، وَتَصِيرُ"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"لَهُمْ، كَالْمَاءِ الْبَارِدِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، كَانَ الثَّوْرِيُّ يَنْشِدُ:
لَا لِأَنِّي أَنْسَاكَ أَكْثَرُ ذِكْرَا ... كَ وَلَكِنْ بِذَاكَ يَجْرِي لِسَانِي
إِذَا سَمِعَ الْمُحِبُّ ذِكْرَ اسْمِ حَبِيبِهِ مِنْ غَيْرِهِ زَادَ طَرَبُهُ، وَتَضَاعَفَ قَلَقُهُ، «قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِابْنِ مَسْعُودٍ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» .
قَالَ زُهَيْرٌ الْبَابِيُّ: إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا ذَكَرُوهُ، فَخَرَجَتْ نُفُوسُهُمْ إِعْظَامًا وَاشْتِيَاقًا، وَقَوْمٌ ذَكَرُوهُ، فَوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فَرَقًا وَهَيْبَةً، فَلَوْ حُرِّقُوا بِالنَّارِ، لَمْ يَجِدُوا مَسَّ النَّارِ، وَآخَرُونَ
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 516)