فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 225

الْحَدِيثَ أَحَدُ أَرْبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي، فَالْحَصْرُ حَقِيقِيٌّ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصَحْتُ الْعَسَلَ: إِذَا صَفَّيْتَهُ مِنَ الشَّمْعِ، شَبَّهُوا تَخْلِيصَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنَ الْغِشِّ بِتَخْلِيصِ الْعَسَلِ مِنَ الشَّمْعِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ذَكَرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ بِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ النَّصِيحَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ اسْتُفْصِلَتْ، فَقَالَ الرَّاوِي: (قُلْنَا) أَيْ: مَعْشَرُ الصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ (لِمَنْ؟) أَيِ: النَّصِيحَةُ لِمَنْ؟ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لِلَّهِ) أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَتَرْكِ الْإِلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي عِبَادَتِهِ، وَبَذْلِ الطَّاقَةِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَالِاعْتِرَافِ بِنِعْمَتِهِ وَالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا، وَمُوَالَاةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ، وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ فِي نَصِيحَةِ نَفْسِهِ لِلَّهِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ كُلِّ نَاصِحٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ النَّصِيحَةَ لِلَّهِ هِيَ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ وَرَاءَ التَّحَيُّزَاتِ مَوْجُودًا خَالِقًا وَبِصِفَاتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ، وَبِأَفْعَالِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ الْمُسَمَّى بِالْعَالَمِ، فَإِنَّمَا حَدَثَ بِقُدْرَتِهِ، وَهُوَ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَظَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَقَلُّ مِنْ خَرْدَلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَبِأَحْكَامِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِغَرَضٍ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِهَا مَنَافِعُ عَائِدَةٌ إِلَى الْعَبْدِ، وَأَنَّ لَهُ الْحُكْمَ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنْ أَثَابَ فَبِفَضْلِهِ وَإِنَّ عَذَّبَ فَبِعَدْلِهِ. وَأَسْمَائِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، ثُمَّ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَالْحُبِّ لَهُ وَالْبُغْضِ فِيهِ (وَلِكِتَابِهِ) أَيْ: وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَبِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ، وَالتَّصْدِيقُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ، وَالْعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِمُتَشَابِهِهِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ.

وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُكْرِمَهُ وَيَبْذُلَ مَجْهُودَهُ فِي الذَّبِّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِهَالِ الْمُبْطِلِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُدَقِّقِينَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ، أَوْ جِنْسِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، إِذِ الْجِنْسُ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمِفْتَاحِ صَرَّحَ بِأَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ لِتَنَاوُلِهِ وُحْدَانَ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْكُتُبِ، لَكِنْ حَقَّقَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِثْلُ الْمُفْرَدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت