فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 225

ولا بد أيضًا أن يميز العادة عن العبادة. فمثلًا الاغتسال يقع نظافة أو تبردًا، ويقع عن الحدث الأكبر، وعن غسل الميت، وللجمعة ونحوها، فلا بد أن ينوي فيه رفع الحدث أو ذلك الغسل المستحب. وكذلك يخرج الإنسان الدراهم مثلًا للزكاة، أو للكفارة، أو للنذر، أو للصدقة المستحبة، أو هدية. فالعبرة في ذلك كله على النية.

ومن هذا: حيل المعاملات إذا عامل معاملة ظاهرها وصورتها الصحة، ولكنه يقصد بها التوسل إلى معاملة ربوية، أو يقصد بها إسقاط واجب، أو توسلًا إلى محرم. فإن العبرة بنيته وقصدهن لا بظاهر لفظه؛ فإنما الأعمال بالنيات. وذلك بأن يضم إلى أحد المعوضين ما ليس بمقصود، أو يضم إلى العقد عقدًا غير مقصود. قاله شيخ الإسلام.

وكذلك شرط الله في الرجعة وفي الوصية: أن لا يقصد العبد فيهما المضارة.

ويدخل في ذلك جميع الوسائل التي يتوسل بها إلى مقاصدها؛ فإن الوسائل لها أحكام المقاصد، صالحة أو فاسدة. والله يعلم المصلح من المفسد.

وأما نية المعمول له: فهو الإخلاص لله في كل ما يأتي العبد وما يذر، وفي كل ما يقول ويفعل. قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البيّنة:5] وقال: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3] .

وذلك أن على العبد أن ينوي نية كلية شاملة لأموره كلها، مقصودًا بها وجه الله، والتقرب إليه، وطلب ثوابه، واحتساب أجره، والخوف من عقابه. ثم يستصحب هذه النية في كل فرد من أفراد أعماله وأقواله، وجميع أحواله، حريصًا فيه على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع كل ما يضاده: من الرياء والسمعة، وقصد المحمدة عند الخلق، ورجاء تعظيمهم، بل إن حصل شيء من ذلك فلا يجعله العبد قصده، وغاية مراده، بل يكون القصد الأصيل منه: وجه الله، وطلب ثوابه من غير التفات للخلق، ولا رجاء لنفعهم أو مدحهم. فإن حصل شيء نم ذلك من دون قصد من العبد لم يضره شيئًا، بل قد يكون من عاجل بشرى المؤمن. [1]

فقوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"أي: إنها لا تحصل ولا تكون إلا بالنية، وأن مدارها على النية. ثم قال:"وإنما لكل امرئ ما نوى"أي: إنها تكون بحسب نية العبد صحتها أو فسادها، كمالها أو نقصانها، فمن نوى فعل الخير وقصد به المقاصد العليا - وهي ما يقرب إلى الله - فله من الثواب والجزاء الجزاء الكامل الأوفى. ومن نقصت نيته

(1) - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت