الأعلام 7/ 247 وطبقات الشّافعيّة 1/ 249 - 264
الثاني: الأدلّة، وهي المُثَمَّر.
والثالث: طريق الاستثمار، وهي وجوه دلالة الأدلّة على الأحكام.
والرابع: المجتهِد، وهو المستثمِر (1) .
ولَمَّا كانت الأدلَّة هي الأصل والمَرْجِع في استخراج الأحكام فإنَّا نأخذ الحُكْم أحيانًا مِنْ منطوقها مباشَرةً، نَحْو: قوله تعالى {وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضا} (2) ؛ فَقْد دَلّ بمنطوقه على حرمة الغِيبة.
وقَدْ نأخذ الحُكْم أحيانًا مِنْ مفهومها، نَحْو: قوله تعالى {فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفّ} (3) فَقَدْ دَلّ بمفهومه على حرمة ضَرْب الوالدَيْن.
وإمَّا أن نأخذ الحُكْم منهما معًا، نَحْو: قوله تعالى {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَت} (4) ؛ فإنَّه يَدُلّ على أمْر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتبشير وعلى أمْر المخاطَبين بالإيمان والعمل الصالح؛ لِتَعَلُّق البشارة بهما (5) .
وقَدْ أَوْلَى الأصوليّون المفهومَ اهتمامًا ورعايةً كأحد طريقَيْ دلالة الألفاظ على الأحكام، وعلى ضوئه تمّ استخراج كثير مِن الأحكام مِنْ منطوقَيِ الكِتَاب والسُّنَّة.
ولِهذه المنزلة الأصوليّة لِلمفهوم والمستمَدَّة مِنْ سِرَاجَيِ الأُمَّة: الكِتَاب والسُّنَّة، ولِكثرة اختلافات الأصوليّين في حُجِّيَّة بَعْض أنواع المفاهيم، ولِحاجتي الشَّخْصِيَّة ولِتزويد مَلَكَتِي الأصوليّة بهذا الباب العظيم مِنْ أبواب أصول الفقه ..
ولِكُلّ ما تَقَدَّم شَرَح الله تعالى صدري لاختيار هذا الموضوع لأخوض غماره وأغوص في أعماقه؛ لأقف على كنوزه ولآلئه؛ كي أحاول استخراجها لأُرَصِّع بها هذا البحث الذي أَرَدْتُ أنْ أَجْمَع بَيْن دَفَّتَيْه مُعْظَم مسائل مفهوم المخالَفة إنْ لَمْ يَكُنْ جُلّهَا، ولَيْس ذلك فحَسْب؛ وإنَّمَا ذَيَّلْتُه بِبَعْض الفروع الفقهيّة التي يَتَّضِح مِنْ خلالها أثر مفهوم المخالَفة في الأحكام، ولِنُؤكِّد عُمْق العلاقة بَيْن الفقه وأصوله.
وقَدْ سَمَّيْتُ بَحْثِي هذا بـ (حُجِّيَّة مفهوم المخالفة عند الأصوليِّين) ..
(1) يُرَاجَع المستصفى /7
(2) سورة الحجرات مِنَ الآية 12
(3) سورة الإسراء مِنَ الآية 23
(4) سورة البقرة مِنَ الآية 25
(5) يُرَاجَع الإمام في أدلَّة الأحكام /280
كَمَا قسمتُه إلى هذه المقدِّمة وثلاثة فصول وخاتمة، على النَّحْو التّالي: