فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 132

أَوْرَد بَعْض الأصوليّين حالاتٍ في مفهوم العَدَد لا نِزَاع فيها، وَقَفْتُ على حالتيْن منها:

الأولى: ما قُصِد به التكثير: كالألْف والسبعين وغَيْرِهِمَا (1) .

ومثاله: ما حُكِي أنّ معاوية - رضي الله عنه - (2) اسْتَعْمَل عاملًا أَحْمَق، فذكر المجوس يومًا فقال قائل:"لَعَن اللهُ المجوسَ؛ يَنْكِحون أمّهاتهم"فقال:"واللهِ لو أُعْطِيتُ مائة ألْف درهم ما نَكَحْتُ أُمِّي"، فبَلَغ ذلك معاوية - رضي الله عنه - فقال:"قَاتَلَهُ اللَّهُ! أَتُرَاهُ لَوْ زِيدَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ كَانَ يَفْعَل؟!" (3) .

والبَعْض يَعتبر مِنْ هذا القبيل قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم} (4) .

الثانية: إذا قُيِّد الحُكْم بعَدَد مخصوص فَمَا زاد عليه كان بطريق الأَوْلَى.

مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم - {إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثا} (5) ..

وَجْه الدّلالة: أنّ هذا النَّصّ أفاد منطوقه طهارة الماء الذي بَلَغ قُلَّتَيْن، ودَلّ مفهومه المخالِف على عدم طهارة الماء إنْ كان دون القُلَّتَيْن ..

لكنّ بَعْض الأصوليّين اسْتَدَلّ بهذا الحديث على أنَّه يَدُلّ بطريق الأَوْلَى على أنّ ما زاد على القُلَّتَيْن لا يَحْمِل خبثًا، ولَمْ يَدُلّ على ذلك فيما دون القُلَّتَيْن، وهو ما ذهب إليه أبو الحسين البصري والفخر الرازي والآمدي والطوفي رحمهم الله تعالى (6) ..

(1) يُرَاجَع البحر المحيط 4/ 41

(2) معاوية: هو الصّحابيّ الجليل معاوية بن أَبِي سفيان بن صَخْر بن حَرْب بن أُمَيَّة القُرَشِي - رضي الله عنه -، أَسْلَم زَمَنَ الفتح، أحد كُتّاب الوحي، ولاّه عُمَر - رضي الله عنه - الشّام ثُمّ مِنْ بَعْده عثمان - رضي الله عنه -، تَوَلَّى إمارة المُسْلِمين تِسْع عشرة سَنَةً ونِصْفًا.

تُوُفِّي - رضي الله عنه - بدمشق سَنَة 60 هـ.

تاريخ الطبري 5/ 323 والاستيعاب 3/ 470 - 473

(3) يُرَاجَع شَرْح مختصر الروضة 2/ 770، 771

(4) سورة التوبة مِنَ الآية 80

(5) أَخْرَجه النسائي في كتاب الطهارة: باب التوقيت في الماء برقم (52) وأبو داود في كتاب الطهارة: باب ما يُنَجِّس الماء برقم (58) وأَحْمَد في مُسْنَد المُكْثِرين مِن الصحابة برقم (4376) ، كُلّهم عن عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما.

(6) يُرَاجَع: المعتمد 1/ 146 والمحصول 1/ 257، 258 والإحكام 3/ 103 وشَرْح مختصر الروضة 2/ 771

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت