خرج مخرج الغالب؛ لأنَّهُنّ إذا لَمْ يُرِدْنَ أنْ يَتَحَصَّنّ لَمْ تُتَصَوَّرْ كراهتهنّ لِلبغاء، وإنَّمَا يقع الإكراه على البغاء إذا أَرَدْنَ التحصن، فصار إرادة التحصن شرطًا في الإكراه لا في الحُكْم (1) .
الدليل الثاني: أنّ الحُكْم لو انْتَفَى بانتفاء الشَّرْط لَمَا صحّ قيام الدّلالة على ثبوت شَرْط آخَر يُوجِب ثبوت الحُكْم مع عدم الشَّرْط الأول ..
فلو قال"إنْ دَخَل زَيْد الدار فأعطه درهمًا، وإنْ دَخَل المسجد فأعطه درهمًا"فلو دَخَل المسجد ولَمْ يَدْخُل الدار اسْتَحَقّ الدرهم، وإنْ كان الشَّرْط في استحقاق الدرهم دخول الدار أوّلًا، وقَدِ انْتَفَى ولَمْ يَنْتَفِ الحُكْم بانتفائه كَمَا رَأَيْنَا.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وأَرَى مُنَاقَشَة هذا الدليل: بأنَّه حُجَّة عليكم لا لكم؛ لأنّ الثابت هُنَا شرطان منفصلان وُجِد أحدهما فَوُجِد به الحُكْم، وانْتَفَى الآخَر فانْتَفَى به الحُكْم (2) .
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليّين وأدلّتهم في حُجِّيَّة مفهوم الشَّرْط يَتَّضِح لنا ما يلي:
1 -أنّ أدلَّة المذهب الثاني لَمْ تَسْلَمْ مِنَ المناقَشة والاعتراض.
2 -سلامة أدلَّة المذهب الأول مِنَ المناقَشة والاعتراض.
3 -قوّة أدلَّة المذهب الأول المستمَدّة مِنْ نصوص القرآن الكريم وفَهْم الصحابة - رضي الله عنهم - لانتفاء المشروط بانتفاء الشَّرْط.
4 -أنّ المذهب الأَوْلَى بالقبول والترجيح هو: المذهب الأول القائل بحُجِّيَّة مفهوم الشَّرْط؛ لِلأسباب المتقدِّمة.
ما سَبَق مِنْ خِلاَف كان محلّه الشَّرْط الذي تَعَلَّق عليه الحُكْم وكان مُفْرَدًا، نَحْو: قوله: إنْ دَخَلْتِ الدار فأنتِ طالِق.
أمَّا إنْ كان الحُكْم الذي تَعَلَّق به الشَّرْط متعدِّدًا: فإمَّا أنْ يَكون تعليقه به على الجميع أو على البدل ..
فإنْ كان على الجميع - نَحْو:"إنْ قُمْتِ وأَكَلْتِ وشَرَبْتِ ودَخَلْتِ الدار"
(1) يُرَاجَع: التمهيد لِلكلوذاني 2/ 193، 194 والمنهاج مع شَرْحه 1/ 294 - 296 وشَرْح العضد 2/ 181 وأصول الفقه لِلشيخ زهير 2/ 111، 112
(2) يُرَاجَع التمهيد لِلكلوذاني 2/ 194، 195