وبَيَّن ابنه - رحمه الله تعالى - وَجْه التفرقة بَيْن العَدَد والمعدود بقوله: ..."وذلك لأنّ العَدَد شبه الصفة؛ لأنّ قولك"في خَمْس مِنَ الإبل"في قوَّة قولك"في إبل خَمْس"؛ تَجعل الخَمْس صفةً لِلإبل، وهي إحدى صِفَتَيِ الذات؛ لأنّ الإبل قَدْ تَكون خَمْسًا وقَدْ تَكون أَقَلّ أو أَكْثَر، فلَمَّا قَيَّدْتَ وجوب الشاة بالخَمْس فُهِم أنّ غَيْرَهَا بِخِلاَفه، فإذا قَدَّمْتَ لَفْظ العَدَد كان الحُكْم كذلك، والمعدود لَمْ يُذْكَرْ معه أمْر زائد يُفْهَم منه انتفاء الحُكْم عَمَّا عَدَاه، فصار كاللقب" (1) ا. هـ.
ومِمَّا تَقَدَّم يَكون محلّ النزاع هو العَدَد الذي تَعَلَّق الحُكْم به: هلْ يَدُلّ على انتفاء الحُكْم فيما عَدَا ذلك العَدَد أم لا؟
اختلَف الأصوليّون في حُجِّيَّة مفهوم العَدَد على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنَّه حُجَّة.
وهو ما عليه كثير مِنَ الأصوليّين، واختاره الشيرازي وإمام الحرميْن وابن السمعاني والكلوذاني وابن قدامة وابن السبكي وبَعْض الحنفيّة رحمهم الله تعالى، ومنقول عَنْ نَصّ الإماميْن الشافعي وأَحْمَد رضي الله عنهما، وهو قول داود رحمه الله تعالى، ونَسَبه البَعْض إلى الإمام مالك - رضي الله عنه - (2) .
واحْتَجّوا لِذلك بأدلّة، أَذْكُر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم} (3) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ هذا النَّصّ أفاد منطوقه عدم مغفرة الله تعالى لِلمنافقين حَتّى وإن اسْتَغْفَر لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين مَرَّةً، ودَلّ مفهومه المخالِف على رَفْع هذه العقوبة عنهم إنْ زاد الاستغفار عن السبعين، ولِذَا قال - صلى الله عليه وسلم - {وَاللَّهِ لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِين} (4) ؛ فلو لَمْ يَكُنْ مفهوم العَدَد حُجَّةً لَمَا قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
(1) الإبهاج 1/ 383
(2) يُرَاجَع: التبصرة /221 والبرهان 1/ 458 والقواطع 2/ 42 والتمهيد 2/ 197، 198 وروضة الناظر 2/ 795 وجَمْع الجوامع 1/ 251 والمنخول /209 والإبهاج 1/ 381 ومُسَلَّم الثبوت مع فواتح الرحموت 1/ 432 والبحر المحيط 4/ 41 وشَرْح مختصر الروضة 2/ 769 وتيسير التحرير 1/ 100 وإرشاد الفحول /181
(3) سورة التوبة مِنَ الآية 80
(4) سَبَق تخريجه.