الدليل الثاني: قوله تعالى {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَة} (1) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ هذا النَّصّ أفاد منطوقه وجوب جَلْد القاذف ثمانين جَلْدَةً ودَلّ مفهومه المخالِف على عدم الزيادة أو النقصان عَنْ هذا العَدَد (2) .
المذهب الثاني: أنَّه لَيْس حُجَّةً.
وهو ما عليه جمهور الحنفيّة والمعتزلة والأشعريّة والظّاهريّة وبَعْض الشّافعيّة: كالبيضاوي وإمام الحرميْن والآمدي، واختاره القاضي أبو بَكْر الباقلاّني رحمهم الله تعالى (3) .
واحْتَجّوا لِذلك: بأنّ تعليق الحُكْم على العَدَد لا يَدُلّ على نَفْيِه عَمَّا زاد ... ولا عَمَّا نقص؛ لِجواز أنْ يَكون في تعليقه بذلك العَدَد فائدة سِوَى نَفْيِه عَمَّا زاد ونقص، ولِذَا كان مفهوم العَدَد لَيْس حُجَّةً.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل: بأنّ ذِكْر العَدَد لا بُدّ وأنْ يَكون له فائدة وحُكْم ... لا يَتَعَدّاه المُكَلَّف بزيادة أو نقصان، كَمَا أنَّه لا مانِع مِنْ تَعَدُّد فوائد تعليق الحُكْم على العَدَد بَعْد ذلك، لكنَّهَا - أعني نَفْيه عَمَّا زاد أو نقص - هو الفائدة الأظهر والأوضح والأَوْلَى، وما عَدَاهَا لَمْ تَذْكُرُوا لنا مثالًا لها (4) .
المذهب الثالث: أنَّه لا يَكون حُجَّةً إلا بدليل.
وهو اختيار أَبِي الحسين البصري والفخر الرازي رحمهما الله تعالى.
واحْتَجّوا لِذلك: بأنّ الحُكْم المُعَلَّق على عَدَد إمَّا أنْ يَكون مفهومه أَزْيَد منه وإمَّا أنْ يَكون أَنْقَص منه ..
فإنْ كان المفهوم أَزْيَد مِنَ العَدَد: ثَبَت الحُكْم فيه مِنْ باب أَوْلَى: كقوله - صلى الله عليه وسلم - {إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثا} (5) ؛ فما زاد عليهما لا يَحْمِل خَبَثًا مِنْ باب أَوْلَى.
(1) سورة النور مِنَ الآية 4
(2) يُرَاجَع: التمهيد لِلكلوذاني 2/ 198 - 201 وشَرْح مختصر الروضة 2/ 770، 771 والمحصول 1/ 259
(3) يُرَاجَع: التمهيد لِلكلوذاني 2/ 198 والبحر المحيط 4/ 41 والإحكام لِلآمدي 3/ 104 والمنهاج مع شَرْحه 1/ 296 والتمهيد لِلإسنوي /252 والبرهان 1/ 458 ونهاية السول 1/ 324 وأصول الفقه لِلشيخ زهير 2/ 113
(4) يُرَاجَع التمهيد لِلكلوذاني 2/ 202
(5) سَبَق تخريجه.