أنْ يقال"إنَّه تعالى يَقْصِر رَحْمَتَه على مَنْ يشاء"؛ لأنَّهَا لا تُقْصَر ولا تختَصّ بها؛ لأنَّهَا لا تخْتَصّ، بلْ مدلول الآية أنَّه يَرْحَم مَنْ يشاء، وغَيْرُهُمْ يُعْرِض عنه" (1) ا. هـ."
وهناك مِنَ العلماء مَنْ ذَهَب إلى أنّ الاختصاص والحصر والقَصْر بِمَعْنىً واحد، وهو ظاهِر كلام البيانيّين ..
لكنّ الراجحَ التفريقُ بَيْنَهما كَمَا تَقَدَّم؛ لأنّ الاختصاص إعطاء الحُكْم لِشيء والإعراض عَمَّا سِوَاه، فهو مسكوت عنه، والحصر إعطاء الحُكْم له والتعرض لِنَفْيه عَمَّا عَدَاه، ففي الاختصاص قضيَّة واحدة، وفي الحصر قضيّتان (2) .
والعطف عند البيانيّين قاصِر على العطف بـ"لا"و"بلْ"و"لكنْ"؛ لأنّ هذا العطف يَقْتَضِي ثبوت ضِدّ حُكْم ما قَبْلَه لِمَا بَعْدَه، والأصل في العطف أنْ يُنَصّ فيه على المُثْبَت له الحُكْم والمَنْفِي عنه إلا إذا خيف التطويل، أمَّا في غَيْره فإنَّه يُنَصّ على المُثْبت فقط إلا الاستثناء المُثْبت (3) .
حُجِّيَّة العطف:
لا خِلاَف عند أهْل البيان أنّ العطف بـ"لا"وأُخْتَيْهَا يفيد الحصر، إلا صاحِب"عروس الأفراح"فقال:" أيْ قصر في العطف بـ"لا"إنَّمَا فيه نَفْي وإثبات؛ فقولك"زَيْد شاعِر لا كاتِب"لا تَعَرُّض فيه لِنَفْي صفة ثالثة والقَصْر إنَّمَا يَكون بِنَفْي جميع الصفات غَيْر المُثْبت حقيقةً أو مَجازًا، ولَيْس هو خاصًّا بنفي الصفة التي يَعتقدها المخاطَب، وأمَّا العطف بـ"بلْ"فأَبْعَد منه؛ لأنَّه لا يَسْتَمِرّ فيها النفي والإثبات " (4) ا. هـ.
أقسام الحصر بالعطف:
قَسَّم أبو يعقوب المغربي - رحمه الله - الحصر بالعطف إلى قِسْمَيْن:
القِسْم الأول: الإثبات ..
فيَكون الثابت لِمَا بَعْدَه نفيًا إفرادًا، نَحْو:"زَيْد شاعِر لا كاتِب"؛ فَقَدْ أَثْبَت
(1) البحر المحيط 4/ 59
(2) يُرَاجَع: البحر المحيط 4/ 58 وشَرْح الكوكب المنير 3/ 524 والكليات /59
(3) يُرَاجَع: جواهر البلاغة /149 وبغية الإيضاح 2/ 9
(4) يُرَاجَع: مواهب الفتّاح 2/ 186، 187 وعروس الأفراح 2/ 186، 187 والإتقان 2/ 81 والمَرْجِعَيْن السابقيْن.