بآدم - عليه السلام -؛ فَقَدْ كانت حوّاء كذلك.
وقوله تعالى {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْم} (1) ؛ فلا يَدُلّ على أنَّهَا ما نَفشَتْ إلا فيه؛ لأنّ النفش انتشار الغَنَم مِنْ غَيْر راعٍ سواء كان في حدث أو غَيْره (2) .
والأَوْلى عندي بالقبول: أنّ تقديم المعمول يفيد الاختصاص أي الاهتمام والعناية، ولا يَدُلّ على الحصر إلا بدليل؛ وذلك لِمَا ذَكره وأَوْرَده ابن أَبِي الحديد مِنْ أمثلة عديدة في القرآن الكريم تَقَدَّم المعمول فيها ولَمْ تُفِد الحصر.
وفي ذلك يقول الجلال المحلّي (3) رحمه الله تعالى:"فلَيْس في الاختصاص ما في الحصر مِنْ نَفْي الحُكْم مِنْ غَيْر المذكور، وإنَّمَا جاء ذلك في {إِيَّاكَ نَعْبُد} لِلعِلْم بأنّ قائليه - أي المُؤْمِنين - لا يَعْبُدون غَيْرَ الله تعالى، وحاصِله أنّ التقديم لِلاهتمام، وقَدْ يَنْضَمّ إليه الحصر لِخارج" (4) ا. هـ.
والراجح عندي أيضًا: أنّ الاختصاص خِلاَف الحصر، وهو ما عليه بَعْض المتأخِّرين كَمَا ذَكَر الزركشي رحمه الله تعالى ..
وهو اختيار السبكي - رحمه الله تعالى - حيث قال:"لَيْس مَعْنَى الاختصاصِ الحصرَ، خِلاَفًا لِمَا يَفْهَمه كَثِير مِنَ الناس؛ لأنّ الفضلاء ... - كالزمخشري (5) - لَمْ يُعَبِّروا في نَحْو ذلك إلا بالاختصاص" (6) ا. هـ.
وأكَّد الزركشي - رحمه الله تعالى - الفَرْق بَيْنَهُمَا بقوله:"ويَدُلّ على أنّ الحصر غَيْر الاختصاص: قوله تعالى {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} (7) فإنَّه لا يجوز"
(1) سورة الأنبياء مِنَ الآية 78
(2) البحر المحيط 4/ 58 بتصرف.
(3) الجلال المحَلِّي: هو جلال الدين مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد بن إبراهيم المحلِّي الشافعي رحمه الله تعالى، فقيه أصوليّ متكلِّم نحويّ مفسِّر، وُلِد بمصر سَنَة 791 هـ ..
مِن مصنَّفاته: شرْح جَمْع الجوامع، شرْح المنهاج في الفقه، شرْح الورقات.
تُوُفِّي رحمه الله تعالى بمصر سَنَة 864 هـ.
شذرات الذهب 7/ 303 والفتح المبين 3/ 40
(4) شَرْح المحلّي على جَمْع الجوامع 1/ 258
(5) الزمخشري: هو جار الله أبو القاسم محمود بن عُمَر بن مُحَمَّد الخوارزمي الزمخشري المعتزلي رحمه الله تعالى، مفسر متكلم نحويّ أديب لغويّ، وُلِد بزمخشر سَنَة 467 هـ.
مِنْ مصنَّفَاته: الكَشّاف في التفسير، الفائق في غريب الحديث.
تُوُفِّي رحمه الله تعالى بجرجانية سَنَة 538 هـ.
البداية والنهاية 12/ 219 والنجوم الزاهرة 5/ 274 وشذرات الذهب 4/ 118 - 121
(6) شَرْح الكوكب المنير 3/ 524 ويُرَاجَع: جَمْع الجوامع 1/ 258 والإتقان /804
(7) سورة آل عمران مِنَ الآية 74