وهو استدلال ضعيف؛ لِورود قوله تعالى {فَاعْبُدِ اللَّه} (1) ؛ فيَلْزَم ... - حينئذٍ - أنّ المؤخّر يفيد عدم الحصر؛ لِكَوْنه يقتضيه.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل: بأنّ تأخير المعمول لا يَسْتَلْزِم حصرًا ولا عدمه، ولا يَلْزَم مِنْ عدم إفادة الحصر إفادة نَفْيه، لا سِيَّمَا و {مُخْلِصا} في قوله {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصا} (2) مُغْنٍ عَنْ إفادة الحصر.
واحْتَجّ أبو حيّان - رحمه الله تعالى - في رَدّ دَعْوَى الاختصاص: بأنّ سيبويه قال: إنّ التقديم لِلاهتمام والعناية، فهو في التقديم والتأخير كَمَا في ..."ضَرَب زَيْد عَمْرًا"و"ضَرَب عَمْرًا زَيْد"؛ فكَمَا أنّ هذا لا يَدُلّ على الاختصاص فكذلك لا يَدُلّ على الحصر، وإنَّمَا يَدُلّ على الاهتمام والعناية (3) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل: بأنّ تشبيه سيبويه إنَّمَا هو في أصْل الإسناد، ... وأنّ التقديم يُشْعِر بالاهتمام والاعتناء، ولا يَلْزَم مِنْ ذلك نَفْي الاختصاص والحصر (4) .
المذهب الثالث: أنَّه لا يَدُلّ على الحصر إلا بقرينة.
وهو قول ابن أَبِي الحديد (5) - رحمه الله تعالى - في"الفلك الدائر".
واحْتَجّ بآيات كثيرة تَقَدَّم المعمول فيها ولَمْ تُفِدِ الاختصاص ..
منها: قوله تعالى {وَجَعَلْنَا فِى الأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِم} (6) ؛ فلا يَدُلّ على أنّ غَيْر الرواسي لَمْ يَجْعَلْه في الأرض.
وقوله تعالى {إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى} (7) ، ولَمْ يَكُنْ ذلك مختصًّا
(1) سورة الزمر مِنَ الآية 2
(2) سورة الزمر مِنَ الآية 2
(3) يُرَاجَع البحر المحيط لأَبِي حيّان 1/ 24
(4) شَرْح الكوكب المنير 3/ 522، 523 بتصرف ويُرَاجَع الفلك الدائر على المَثَل السائر /257
(5) ابن أَبِي الحديد: هو عِزّ الدين أبو حامد عَبْد الحميد بن هبة الله بن مُحَمَّد بن أَبِي الحديد المعتزلي رحمه الله تعالى، أحد غلاة الشيعة، كان بليغًا أديبًا متكلِّمًا مُنَاظِرًا.
مِنْ مصنَّفاته: الفلك الدّائر على المَثَل السائر، شَرْح نَهْج البلاغة.
تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 655 هـ.
البداية والنهاية 12/ 199
(6) سورة الأنبياء مِنَ الآية 31
(7) سورة طه الآية 118