السابقين، دون اختطاف بعضها من موطن واحد، ولذا فإن الكثيرين من الباحثين الجدد ممن اختطفوا من كتب المصطلح فكرة قاصرة حول مسألة التفرد يطلقون القول بقبول ما تفرد به الثقة، ورد ما انفرد به الضعيف، بدون استثناء بعض الحالات التي تجعل مفاريد الثقة غير مقبولة حتى ولو كان المتفرد إماما.
يقول الإمام أبو داود: أحاديث السنن مشاهير، ولا يحتج بالغريب، والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبا شاذا، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد. وقال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون الغريب من الحديث. [1]
ويقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه:"إنه لايتابع عليه"ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه [2] .
فهذا فهم دقيق وتحقيق نفيس يوحي بسعة الاطلاع وطول الممارسة لكلام النقاد بحيث يجعل الحافظ ابن رجب يقف على حقيقة منهج النقاد ودقتهم في التصحيح والتعليل، لم لا يتبنه إخواننا الباحثون إلى مثل هذا
(1) - رسالة أبي داود، 1/ 29
(2) - شرح العلل ص: 208