وبما أن كلمة الثقة جاء ذكرها في نص الحاكم بمقابل المجروح الساقط حديثه، فإنه ينبغي أن يكون معناها أوسع مما سبق، بحيث يشمل جميع أنواع الرواة المقبولين غير المتروكين، إذ يكون معنى هذه الكلمة عندئذ كل راو صالح عدل، سواء أ كان ثقة أم ضعيفا، وإن كان تفسيرها بهذا المعنى غير معهود لدينا فإنه ليس بغريب على المحدثين النقاد، بل كان مألوفا لديهم.
وبما أن الإمام الحاكم قد أخرج حديث المجروح الساقط من مفهوم العلة، وأصبح معنى الثقة في قوله ''والعلة تكثر في أحاديث الثقات'' هو كل عدل لم يعرف في سيرته ما يوجب ترك حديثه وسقوطه من فسق وغيره، فإن هذا القول يكون بمثابة تخصيص العلل بما يرويه الراوي المقبول، سواء أ كان ثقة أم ضعيفا، دون المتروك، وأن الكثرة هنا لن تكون بالنسبة إلى أحاديث المتروكين، وإنما معناها كما جاء في سياق كلامه، وبالتالي فإن المفهوم المخالف ليس مقصودا هنا، وهو أن العلة تقل في أحاديث المتروكين، إذ ليس للعلة صلة بما يرويه المجروح الساقط حديثه، لكون حديثه قد سقط مباشرة، دون أن يتوقف ذلك على دراسة ومقارنة.
وأما وجه كثرة العلة في أحاديث الثقات فإن أحاديثهم المعلولة تنتشر ضمن الأحاديث الصحيحة رواية ونقلا بين المحدثين، لكونهم مقبولين عموما، مع بروز تفاوت بين العدل المتقن وبين العدل الضعيف، من حيث كثرة العلة وقلتها، ويكون لبعض المحدثين تحفظ شديد في تلقي الأحاديث عندما يكون راويها ضعيفا، وإذا تبين لهم وهمه في حديث ما فإنهم يضعفون ذلك الحديث، وأما حديث المجروحين المتروكين فلا يكتب ولا يتلقى، بل يسقط تلقائيا. وبذلك يكون نص الإمام الحاكم مطابقا للأمر الواقع في كتب العلل، كما يكون مستوعب الجوانب، إذ عالج نصه ما يتصل بجميع أنواع الرواة الذين ينقسمون إلى