قسمين عريضين؛ وهما المقبولون، والمتروكون، وجعل العلة خاصة بالقسم الأول دون الثاني.
وفي ضوء ذلك يتعين أن يكون معنى الثقة هنا هو كل من يصلح أن يكون بمقابل المتروك الذي يسقط حديثه تلقائيا دون بحث وتتبع.
ومن هنا يمكن أن نقول إن الإمام الحاكم لم يربط العلل بمرويات الحافظ المتقن دون غيره، وإنما جعل ميدان وقوعها متسعا وعريضا؛ إذ شملت العلة مرويات المقبولين عموما، وهذا ما قصده الحاكم بقوله:'' وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه ''، كما يؤيد ذلك الواقعُ الملموسُ في كتب العلل؛ إذ لم تكن خاصة بمرويات الثقات، بل حوت مرويات الضعفاء أيضا. والله أعلم. [1]
وقد يقال: إن إطلاق العلة - بغض النظر عن فحوى كلام الحاكم، وبعيدا عن سياقه - على أحاديث الثقة أمر اصطلاحي، ولا مشاحة في ذلك، ولا يعني بذلك أن أحاديث الضعفاء ليس فيها خطأ، لكن يعبر عن خطئهم فيها بمصطلح آخر، كمنكر، أو باطل أو غير ذلك.
(1) - ههنا لفتة علمية لا بد من التلويح إليها، وهي أن كثيرا من المتأخرين والمعاصرين يجعلون أحاديث الثقات ميدان العلة والشذوذ، ويفرقون بينهما في المفهوم، وفي الوقت ذاته يصححون الحديث الذي رواه الثقة، على الرغم من مخالفته من هو أوثق منه، أو تفرده به، تمهيدا للاستدلال به على الأحكام الفقهية أو العقدية، أو للدفاع عن مذهب أو رأي يذهبون إليه، وإذا وقفوا على أن الحديث قد أعله ناقد بالتفرد أو المخالفة يعقبون عليه بقولهم: ''كلا! إنه ثقة لا يضر تفرده ''، أو ''زيادة الثقة مقبولة '' أليس هذا مفارقة عجيبة بين الحكم النظري والتطبيقي!! إذ يجعلون العلة والشذوذ خاصتين بما رواه الثقة نظريا، بينما يجعلونهما خاصتين بما رواه الضعيف دون غيره عمليا، فإنهم لا يرفضون الحديث إلا إذا كان راويه ضعيفا، سواء تفرد به أم خالفه الثقات. وهنا شيء يلفت الانتباه؛ وهو أن بعض إخواننا المعاصرين يقبلون حديث الراوي الضعيف مع تفرده به أو مخالفته الثقات، ويحكمون بأنه حسن لغيره بموجب الشواهد أو المتابعات القاصرة، أي إنهم يقومون - دون أن يشعروا - بإلغاء مصطلحات العلة ونفيها من الوجود.