نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه'' اهـ [1] .
وهذه القصة يجب أن تلفت انتباهنا إلى ما تضمنته من النقاط، وهي:
أولا: منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف واحد، إذ يقوم هذا المنهج على الخلفية العلمية الحديثية.
ثانيا: معرفة صحة الحديث وضعفه لا تكون مجازفة، بل تكون كمعرفة الصيرفي بالأحجار الكريمة
ثالثا: موقف هذا الفقيه الجليل من فقهاء أهل الرأي تجاه الأحكام التي صدرت من أبي حاتم وأبي زرعة، واعترافه بالتخصص الحديثي؛ حيث رأيناه قد سلم لهما الأمر في تصحيح الحديث وتضعيفه، بعد أن أدرك هذا الفقيه حقيقة علم الحديث، وما يتميز به كل من أبي حاتم وأبي زرعة الرازي من قدرة خاصة على فهم ملابسات الحديث، وكشف ما يقع فيه من الأخطاء.
ولعلنا قد انتبهنا إلى ذلك الخلق النبيل، والتواضع العلمي، والأدب الجم!!
وأنا أسوق هنا بعض النصوص التي تدلنا على عمق هذا العلم، وأن أصحابه هم المحدثون النقاد، دون غيرهم من أصحاب العلوم الشرعية الأخرى:
يقول الإمام مسلم (رحمه الله) : ''واعلم (رحمك الله) أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم ... وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح'' [2] اهـ.
(1) - تقدمه الجرح والتعديل 1/ 349 - 351.
(2) - مسلم بن الحجاج، التمييز ص: 218