ذلك من شأنه ولا من شأن علماء تلك العصور، وإنما ذلك في مناسبة علمية لها صلة بدفاعه عن موقف أهل السنة والجماعة، وإنكاره على أهل البدع الذين اشترطوا تعدد الرواة ليحتج بالحديث. [1]
ثم إن الإمام الشافعي كان من عادته أن يثبت ما أثبته المحدثون النقاد من الأحاديث، ويترك ما تركه الحفاظ، ولم يعرف عنه (رحمه الله تعالى) منهج جديد مناقض لمنهج المحدثين عموما في قبول الأحاديث الشاذة الغريبة التي ليس لها أصل.
يقول الإمام أحمد: ''قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني، إن شاء يكون كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا'' [2]
فائدة:
لا بد أن يفهم أن قول الإمام الشافعي (رحمه الله) ليس فيه دلالة على أن كل ما خالف فيه الثقة لغيره من الثقات أو الأوثق منه يعتبر شاذا ينبغي الاحتراز منه في الحديث الصحيح، وإنما يدل على ما ترجح بالقرائن أنه مرجوح ووهم.
ولهذا قال (رحمه الله) في زيادة مالك ومن تابعه في حديث (فقد عتق منه ما عتق) :إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه وهم عدد وهو منفرد، وكان يقول في مواضع مثل هذا: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد [3] .
وقال الحافظ ابن حجر: لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح - يعني الشاذ - وأن الرواية الراجحة أولى [4] .
(1) - وقد شرحت هذا الأمر بشئ من التفصيل في كتابي كيف ندرس علوم الحديث
(2) - كتاب العلل للإمام أحمد 1/ 462
(3) - حكاه الحافظ في النكت 2/ 688.
(4) - المصدر نفسه 2/ 653.