الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة، وأسقط الزين العراقي من قول الحاكم قيدا لا بد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك'' [1] .
وهذا القيد - وإن لم يصرح به الحاكم - فإنه يفهم من سياق كلامه، والأمثلة التي ساقها للحديث الشاذ.
يقول السخاوي: والشاذ لم يوقف له على علة، وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (يعني المعلول) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع والمعرفة التامة بمراتب الرواة والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ أدق من المعلل بكثير اهـ [2] .
فمقصود الحاكم بقوله: ''الشاذ غير المعلول'' أنه غير واضح العلة، ولا يعني أنه نوع منفصل عن العلة.
كما أن الحاكم (رحمه الله) لم يرد بقوله في الشاذ تفردا مطلقا، وإنما أراد نوعا خاصا من تفردات الثقات مما يتوقف الناقد الجهبذ عن قبوله والاحتجاج به لوجود الوهم فيه، والدليل على ذلك ما شرحه في قسم الغريب والأفراد، وهذا نصه:
'' فنوع منه غرائب الصحيح - ثم ذكر المثال من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الخندق نحفر ... الحديث، رواه البخاري في الجامع الصحيح - فهذا حديث صحيح وقد تفرد به عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو من غرائب الصحيح'' [3] .
(1) - نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/ 379.
(2) - فتح المغيث 1/ 232 (تحقيق الشيخ علي حسن علي، ط: إدارة البحوث الإسلامية - الهند، سنة 1407 .
(3) - معرفة علوم الحديث ص:94.