فصل واعلم أن كل من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مدة في تقدمه على العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوى بالاضافة إلى القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعنى زائدا على ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لان القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات. ثم ان كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والاجسام لانها أجرام تحتاج إلى جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شئ ولا تحدث له صفة. فإن قيل: فقد أخرج في الصحيحين عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه ذكر المعراج فقال فيه:"فعلا به إلى الجبار تعالى"فقال:"وهو في مكانه يا رب خفف عنا" (56) . فالجواب: ان أبا سليمان الخطابي قال: هذه لفظة تفرد بها
(56) هذه ألفاظ من حديث انفرد به البخاري في صحيحه (الفتح 13/ 478) وقد أطال الحافظ ابن حجر في نقل أقوال الائمة الحفاظ الذين ردوا هذه الالفاظ وشنعوا عليها، وفي هذه المرة قل تعويمه للمسألة نسبيا إلا أنه لم يترك إظهار (*)