لأَِنَّ الأَْكْل لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبَ لِدَفْعِ الْعَطَشِ فَرْضٌ بِمِقْدَارِ مَا يَدْفَعُ الْهَلاَكَ، فَإِنْ تَرَكَ الأَْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدِ انْتَحَرَ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيل. [1]
وَإِذَا اضْطُرَّ الإِْنْسَانُ لِلأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ مِنَ الْمُحَرَّمِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ حَتَّى ظَنَّ الْهَلاَكَ جُوعًا لَزِمَهُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَتَّى مَاتَ صَارَ قَاتِلاً نَفْسَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ أَكْل الْخُبْزِ وَشُرْبَ الْمَاءِ فِي حَال الإِْمْكَانِ؛ لأَِنَّ تَارِكَهُ سَاعٍ فِي إِهْلاَكِ نَفْسِهِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) } [النساء:29 - 31] .وَكَذَلِكَ حُكْمُ الإِْكْرَاهِ عَلَى أَكْل الْمُحَرَّمِ، فَلاَ يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ الاِمْتِنَاعُ مِنْ أَكْل الْمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي حَالَةِ الإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ مِمَّا يُبَاحُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ التَّحْرِيمِ إِبَاحَةٌ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الاِضْطِرَارُ بِالإِْكْرَاهِ، وَلَوِ امْتَنَعَ عَنْهُ حَتَّى قُتِل يُؤَاخَذُ بِهِ وَيُعَدُّ مُنْتَحِرًا، لأَِنَّهُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْهُ صَارَ مُلْقِيًا نَفْسَهُ إِلَى التَّهْلُكَةِ. [2]
مَنْ أُلْقِيَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ رَاكِدٍ لاَ يُعَدُّ مُغْرَقًا، كَمُنْبَسِطٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ مِنْهُ عَادَةً، فَمَكَثَ فِيهِ مُضْطَجِعًا مَثَلاً مُخْتَارًا لِذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ، يُعْتَبَرُ مُنْتَحِرًا وَقَاتِلاً نَفْسَهُ، وَلِذَلِكَ لاَ قَوَدَ وَلاَ دِيَةَ عَلَى الَّذِي أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْفِعْل لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا حَصَل الْمَوْتُ بِلُبْثِهِ فِيهِ، وَهُوَ فِعْل نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ. كَذَلِكَ إِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَلَمْ يَخْرُجْ يَضْمَنُ، لأَِنَّهُ جَانٍ بِالإِْلْقَاءِ الْمُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ. وَفَارَقَ الْمَاءَ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُهْلِكٍ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ
(1) - ابن عابدين 5/ 215
(2) - البدائع 7/ 176،وأحكام القرآن للجصاص 1/ 149،ومواهب الجليل 3/ 233،وأسنى المطالب 1/ 570،والمغني 11/ 74