فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 88

الحمدُ لله ربّ العالمين.

أمّا بعد ... فهذه عنايةٌ شخصيّةٌ بـ «المنتقى المعسول» ، أزفُّها لِكلِّ مَن سدا شيئًا مِن سيرةِ نبيِّنا المختارِ ـ عليه أفضل الصّلاة والسّلام ـ؛ طمَعًا في التّخلُّقِ بهديِه، والتّمثُّلِ لسنّته، وإسعافًا لأخينا الجامع أبي إلياس؛ على سبيلِ المكافأة لما ارتادَ وأفادَ، وله على إخوتِه في عمل «المنتقى» مِنّةٌ أجلُّ، والمِنَنُ ينبغي شكرُها؛ بمثلِ ذا وأَزْيد.

وإنّه ـ بتوفيقِ الله ــ تمّ حفظُ النّظم واستظهارُه، تداولْته مع أخَويْنِ لي باديَ الرَّأيِ، ثُمَّ لم يلبَثِ الأخوان أن تأخّرا؛ لانشغالهما بما هو أهمُّ! فقَطَعْتُ المسيرَ وحدِي أصبو وأكبو ولسانُ الحالِ ما قال الشّيخُ محمّد سالم بنُ عبدالودود ـ رحمه الله ـ بمناسبةِ تقريظِه لنظم «عمدةِ الموفَّق» لبعضهم:

وَكُنتُ قَبْلَ ذَا نَظَمْتُ «الْعُمْدَهْ» ، وَالسَّابِقُ الَّذْ مَرَّ يَجْرِي وَحْدَهْ

ولا بُدّ في مستهلِّ هذا الحديثِ أن أُفصح عن إعجابي بخِطّةِ أخي أبي إلياس الّتي قدّرها في مزاولةِ الأنظام، وقدّم بها هذا العملَ، وأن أخُطَّ له كلمةً في تسديدِه، وحمدِ وجاهة رأيه؛ فإنّي وجدتُّ مكتوبَه الّذي صدَّر به بَرَدًا في الفؤاد، وبلسمًا مداويًا يقع على موضع الجُرح، وهو يلاقي مكنون ما في صدري، ويمالئ ما أعتمد. فأشكر لك جهدك، ووكْدك، بارك الله عليك، وزادك مِن فضله، ونفع بك، وجزاك عن إخوانِك خيرًا.

هذا؛ وإنّ نظرةً في تراثِنا العلميِّ الزّاخر تفضي أنّ علماءنا ـ عليهم الرّحمة ـ قد أغنونا بالأنظامِ أيَّ غناء، لا يكاد يُحوجُ المتأخّر إلى جديدٍ، ومآثرهم متنوّعةٌ، فيها الجيّدُ، والمتوسّط الّذي يعتريه بعضُ الشّيء؛ ممّا كان القصدُ منه جمعَ المادّة العلميّة، دون الاهتمام بتزويق الألفاظ وتنميقها، فيمكن التّلفيقُ بينها جميعا، كمثل ما فعل أخونا الفاضل.

وإذْ كانت الألفاظُ أوعيةً للمعاني فما مِن شكٍّ أنّ الوعاء المحكَم الصّناعة، المتقن البناءِ، المرصَّع المزيَّن = مجلبَةٌ لما فيه، مَحْفظةٌ له، كيف إذا كان الدّرَّ النّضيد، والعسل المصفّى. وليس يَدفَع هذا ما قال شوقي:

يرون رأيًا وأرى خلافَه، الكأسُ لا تُقَوِّمُ السُّلَافَهْ

وَقِيمَةُ اللُّؤْلُؤِ فِي النُّحُورِ، بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ بِالْبُحُورِ

فَتحسينُ الألفاظِ مطلوبٌ على كلِّ حالٍ، وهو أليقُ بحاجة الطّالبِ، وأكملُ له فائدةً.

والمجالُ رحبٌ فسيح في ضروب العلوم المختلفة، لا يقع فيه المضارَّة والتّزاحم، ولا يشتكي فيه المتنافسون، وقد نرى لعملِ أخينا أبي إلياس نظائرَ وأشباهًا، يُهابُ بالسّاعين المجدّين في نفعِ إخوانهم إلى استثمارها، موفَّرًا لهم الأجرُ والشّكر.

وقد تأَثَّرتِ «العنايةُ» سنّةَ أبي إلياس في عمل «المنتقى» مستحضرةً قوله:

وربّما وجدتُّني أهذِّبُ، بيتًا لحسن سبكه أشذّب

حَتَّى يكون النّظم في الإلقاءِ، كالقطر سال مِن فم السّقاء

والعذرُ في هذا المقام يعلمه، أهلُ البيان والخبير يفهمه

وقد أقدِّمُ وقد أُؤَخِّرُ، أو أحذف الحشو وقد أختصر

لا فُضَّ فوك! ما أحسنَ هذه الأبياتَ وأصدقها!! غيرَ أنّ «العنايةَ» تعتذر فتقول:

وَآمُلُ الْإِغْضَاءَ عَن قَوَافِيْ، تَضْبِيبُها مِنِّيَ لَا يُوَافِي

ثمّ زادته التّصحيحَ والشّكلَ الكاملَ والتّحشيةَ ـ وعلِم الله كم قطعَتْ مِن وقتٍ، وسلختْ من ساعاتٍ ـ؛ ليكون «المنتقى» أقربَ إلى حاجةِ طالبِ العلمِ، وأنفع له، والحمدُ لله الّذي بنعمتِه تتمُّ الصّالحات.

ومِن معروفِ الطّرائقِ في صناعةِ المتونِ العلميَّة: تقليلُ اللّفظِ، وتكثيرُ المعنى؛ خصوصًا إذا كان المتنُ منظومًا يأسِرُه العَقد، ويُحوِجُه الاصطلاحات العلميّة، فكانتِ المتونُ بطبْعها نائيةً عن أسلوبِ التَّكرارِ نأيًا؛ لأنّ القصدَ مِن صياغتِها الحفظُ، وما يُحفظُ لا حاجةَ فيه إلى تكرارٍ، بل يُتطلَّبُ له ما أمكن مِن الألفاظِ الجامعة، والعباراتِ الوجيزةِ؛ ليتأتّى تغييبُه تغييبًا متقَنًا، وقد قال الخليلُ بنُ أحمدَ ـ في ما نقله عنه البخاريُّ؛ رحمهما الله ـ: «يُقلَّلُ اللّفظُ ليُحفَظَ، ويُكَثَّرُ ليُفهَمَ» ، والتّكرارُ طريقُ التّفهيم والتّقرير.

وإذًا؛ فشيءٌ مِن ما يخالفُ ذلك وقع هنا، وبعضُه ـ والحقُّ يقالُ ـ كان مِن جرَّاءِ المداخلةِ بين أنظامٍ مختلفةٍ، كلٌّ يضربُ في وادٍ، ويسعى إلى نادٍ، مصرِّحًا تارةً وملوِّحًا أخرى حسَب ما يتّفق ويناسبُ، فربّما ذكر النّاظم شيئًا في موضِعٍ ذكَرَه غيرُه في موضعٍ غيرِه، وهذا الذّاكر أغناه الموضعُ المذكورُ فيه عن إعادتِه في الموضعِ الآخَر، أو رمَز له، فلمّا قُرِن بين هذه المختلِفاتِ في مجمعٍ واحدٍ = صارتْ كالثّوبِ يَرْقَعه لابسُه مِن أنواعٍ مختلفة؛ هل يبقى على نسجِه أوّلَ مرّة! فلم يكن بدٌّ أن يَنجُم فيها عند القراءةِ والنّظرِ تعثُّرٌ يحولُ بينها وبين التّحدُّر والانسجام، ولكن هذا حدُّ الواجِدِ، وأبى الله أن يَتِمَّ إلّا كتابُه.

وكان مِن الشّأن الإعراضُ عن المكرَّرِ والتّسمُّح فيه في أغلبِ الأحيانِ؛ لأنّ استتباعهُ بالضّبط والضّغطِ في كلِّ مرّةٍ يفسِدُ مُحيَّا المنظومةِ البهيّ، ويُذهِب بقسامةِ طلعتِها، ويمسَخُها، ويخرجها عن الوضع، وفيه إخلالٌ بمقاصِد النّاظمين، ومحاكمةٌ بين الفحولِ ... ، وهكذا؛ عُدَّ ما شئتَ، وعَدِّ ما شئت!

فلئن قال قائلٌ: هو كلامٌ ربّ العالمين ـ الّذي هو أرفع الذّكر، وأحسن الكلامِ ـ لم يَخْلُ مِن تَكرارٍ فيقال له: نعم! وقع في القرآن تَكرارٌ، وكثر ذلك فيه، ولكن القرآنَ كتابُ الهدايةِ والبيان، وتَكرارُه لحكمٍ بالغةٍ مقصودةٍ، ولا يُكَرَّرُ في القرآنِ كلُّ شيءٍ، فتفصيلُ القرآنِ وتكرارُه ـ كان ـ للمعنى المهمِّ، يوكِّدُه، وينبّه إلى جليلِ موضعِه؛ لِيُعتنى بشأنه؛ كما نرى في معاني التّوحيدِ والإيمانِ ... ؛ وليس هكذا لأدنى شيءٍ!

والّذي معنا أمرٌ مختلفٌ، فهو معلوماتٌ تكرَّرَت، يغني في حفظِها واستفادتها أن تُذكر مرّةً واحدةً، وتَكرارُها أوجد عددًا غيرَ قليلٍ من الأبياتِ الّتي لو تُلُوفِيَت ووفِّرَتْ لمعان أخرى لم تُذكَرْ ...

وبقي شيءٌ، وهو أنّه كان حسنًا بأخينا لو عزا الأبياتَ إلى قائليها، ولم يكتفِ بالمسرد العامّ الّذي صدّر به في أوّل المنظومة؛ ليقفوَ طالبُ العلمِ ذلك في ما يعاني مِن تدريسٍ وإفادةٍ، فيقولَ: قال العراقيُّ في «ألفيّة السّيرة» ، وقال البدويُّ في «العمود» ؛ وهكذا، فهذا خيرٌ مِن أن يقولَ مَن يجهل الأبياتَ: قال بعضُ النّاظمين، أو: قال في «المنتقى المعسول» ، فمَن ذا يعرف «المنتقى المعسولَ» وقصَّته؟!

نعم! الغرضُ الرّئيسُ الفائدةُ، وقد كان، إلّا أنّ لمنزلةِ العلماءِ في النّفوسِ نصيبًا، وهو معتبَرٌ، يشدُّ مِن أزْره نحوُ ما روِّينا عن أسلافنا: «إِنَّ هذا العلمَ دينٌ، فانظروا عن مَن تأخذون دينكم» .

وقد جهدتُّ في تتبُّع الأبياتِ مِن أصولِها، وعزوِ ما تيسَّر منها؛ وسترى ذلك كلَّه موثَّقًا في موضعِه مِن الحاشية، ولم يكن ذلك في أوّل الأمرِ قصدًا؛ إلّا بقدر ما يتسدَّدُ به لفظُ «المنتقى» ؛ حين كنت أتوجَّسُ مِن صحّةِ لفظَةٍ ما، ثمّ رغِبتُ أن تُتوفَّى الأبياتُ، فعقدتُّ لها موضعًا خاصًّا.

ولعلَّ الشّيخ أبا إلياسَ يعيدُ النّظر في هذا ويتمّم؛ فهو صاحب الفضل، وهو ربّ القصد، وإليه يُنسبُ العِقد.

ثُمَّ إنّي بعد أن عانيتُ المنظومةَ حفظًا وضبطًا استعرضتُ «الألفيَّة العراقيَّة» ، وتقرَّيْتُها بيتًا بيتًا؛ لما وجدتُّ مِن كثرةِ التّصحيفِ في نسخةِ أخينا أبي إلياسَ ـ والله يجبر ضعفه ـ، حتّى صُقِلت هذه النَّشْرة ـ إن شاء الله ـ، ولا أردُّ كثرة التّغيير إلّا إلى رداءَةِ النُّسخةِ الَّتي ينقُلُ منها، أو إعمالِه للذّاكرةِ حالَ النّقلِ؛ فالذَّاكرةُ خوَّانة، وقد فسّرتُ كلَّ ما غيّرتُهُ في الحاشية الّتي أُعَقِّب بها، وكفى بها شاهدًا على ما أزعم.

ونسخة «الألفيّة» الّتي طبعها محمّد بن علويٍّ المالكيُّ نسخةٌ جيِّدةٌ متقنةٌ، كافيةٌ وافيةٌ، يعتمدها مَن شاء.

ثُمَّ تتبّعتُ منظومةَ الحكميِّ مسترشدًا ببيتٍ حسنٍ يَزينُها، ولم أظفَرْ بطائلٍ، وكذلك «الألفيّة» الّتي نظمها بأخَرةٍ الأستاذ جبران سحّاري.

وكنتُ قبلُ بيّنتُ كلّ تغيير وقع؛ بأن وضعتُه بين معقوفين [] ، وعلى ذلك الوضعِ كانت نسختي الّتي منها حفظتُ، حتّى إذا كثُرت التّغييراتُ، واسودّ وجهُ نسختي مِن طولِ ما أتعهّدها = خشِيتُ على الحافظِ أن يَشغلَ فِكْرَه بتتبّع هذه التّغييراتِ، فينصرفَ عن الاهتمام بالمقصود ـ الّذي هو الحفظُ والتّثبيتُ ـ، ويتشوّشَ، فآثرتُ أن أُخلِيَها مِن كلِّ رمزٍ، إلى حينِ الحاشيةِ، فأبيّنَ كلّ لفظةٍ غيَّرتُ منها حرفًا؛ تبرئةً للذّمّة، وخروجًا مِن عهدةِ التّدليس والكتمان.

سأورد المنظومةَ هنا منجَّمَةً أبوابًا وفِكَرًا، شيئًا فشيئًا؛ لغرضٍ منشودٍ، وهو أن يتيسَّر لجملةِ الرُّوَّادِ والمشاركين في هذا الصّعيد الطّيّب والملتقى المبارك أن ينظُرُوا في الضّبط، ويسهل عليهم تتميم نقصه، وإصلاحُ خلله، حتّى إذا ما نجز ذلك إن شاء الله وتمَّ = رجعتُ المنظومةَ ورفعتها كاملةً منسَّقةً في مَلفٍّ واحدٍ مضبوطَةً بخطٍّ جميلٍ اعتدتُّ كتابةَ الأنظام الّتي أدوّنها للحفظ به، كمثلِ ما هو في «لآلئ التّبيان» لمن طالته يده، والله المستعان، وعليه التّكلان، لا إله إلّا هو، ولا حول ولا قوّة إلّا به.

وأسأل الله لنا الإعانهْ، في ما توخَّينا مِن الإبانهْ

وأنتم أيّها المشاركون الأعزّة: لا تبخلوا علينا بالتّوجيه والنّصح، فإخوانكم إليكم بحاجةٍ، وقد علمتم أنّ «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» ، وبيننا وبينكم «رحمُ العلم» لا تقطعوها، وصلكم الله بحبل توفيقه.

هذا؛ وارقبوا أوّل المنظومة في المشاركةِ الآتيةِ؛ بإذن الله.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت