الصفحة 51 من 66

سبيله ظهر صدق ما في ضميره. وظاهره اختصاص ذلك بشهيد المعركة، لكن أخبار الرباط تؤذن بالتعميم"انتهى."

يقول الإمام القرطبي رحمه الله في"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/424)

"قوله صلى الله عليه وسلم في الشهيد: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق، كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف: فروا؛ لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا، وهيجان حمية الله، والتعصب له لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الحكيم الترمذي"انتهى.

والشهيد شرعا هو من قُتل مجاهدًا في سبيل الله، وسمي شهيدًا؛ لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة، ولأنه حي، فهو شاهد أي حاضر وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده وقال ابن الأنباري: سمي الشهيد شهيدًا لأن الله وملائكته شهود له بالجنة وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قُتِلَ وقيل: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل وسُئِلَ النضر بن شميل في تفسير الشهيد الذي يُسْتَشْهَدُ فقال: الحيّ أَي هو عند ربه حيّ، وقيل غير ذلك، ومعنى الحديث: أن السؤال في القبر إنما جعل لامتحان المؤمن الصادق في إيمانه، وثبوته تحت بارقة السيوف وعدم فراره من الموت أوضح دليل على صدق إيمانه. وقول الصحابي:"ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟"حيث استثنى الشهيد فقط لا يدل على حصر الناجين من عذاب القبر بالشهداء، وإنما ذلك بحسب اجتهاده، أو أنه أكبرهم وأعظمهم، وإلا فالأحاديث المصرحة بنجاة غير الشهيد كثيرة، ومنطوقها يقدم على فهم الصحابي هنا.

29 -أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ أمَّ الرَّبيِّع بنتَ البَراءُ وهي أمُّ حارثةَ بنِ سُراقةَ أتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: «يا نبيَّ الله ألا تحدِّثني عن حارثةَ ـ وكانَ قُتلَ يومَ بَدْرٍ أصابَهُ سهمٌ غربٌ ـ فإن كان في الجنَّةِ صبَرتُ، وإن كان غيرَ ذلك اجتهَدْتُ عليهِ في البكاء. قال: يا أمَّ حارثةَ، إنها جِنانٌ في الجنَّةِ، وإنَّ ابنكِ أصابَ الفِردَوسَ الأعلى» رواه البخاري

شرح الحديث

حارثة بن سُراقة، كان قد رُمي بسهم الغرب وهو الذي لا يُعرف راميه وكان يشرب من الحوض، فأصاب نحره فقتل رحمه الله. ولكن أم حارثة عمة أنس بن مالك كانت في حيرة من أمرها بشأن حارثة لأنه لم يُقتَلْ في معركةٍ وجهًا لوجهٍ مع الكافرِ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقالت لا ضير إن كان حارثة في الجنة فإني صابرة على فراقه راضية بقدر الله فإنها الجنة التي يسعى إليها أهل الإيمان والجهاد إنه الإيمان الذي ينسي كل الهموم والمصائب والإبتلاءات. وأما إن كان حارثة ليس من أهل الجنة فسأبكيه بكاء شديدا لأنه ليس هناك ما يُسَلِّيها ويُواسِيها في هذا المُصابِ فتطلقُ لنفسِها العنانَ فتَبْكيهِ إنها أم تخاف على إبنها النار هكذا يجب أن يكُن النساء ,وهذا البكاء الجائز وليس النياحة المحرمة فقال لها مُعلم البشرية عليه وآله الصلاة والسلام مطمئنا لها إنما الجنةُ جنانٌ متعددةٌ تتفاوتُ في منازِلِها إن إبنك حارثة قد أصاب الفردوس الأعلى في جهاده ووصل إلى أعلى درجات الجنة. الله أكبر لله دره فإن هذه المنزلة التي يتمناها المؤمنون وخاصة أهل الجهاد منهم.

(اجتهدت عليه في البكاء) قال الخطابي: أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا أي فيؤخذ منه الجواز، قلت: كان ذلك قبل تحريم النوح فلا دلالة فيه، فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد، وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر) فتح الباري \ العسقلاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت