الحديث هو أنّ جماعة أعلنوا توقّف الجهاد، فأذالوا الخيل (أي تركوها من غير عناية ولا تدريب) ووضعوا السّلاح وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فسبب ورود الحديث هو إعلان توقّف القتال، وجاء الرّد حاسمًا وقاطعًا لا يحتمل تأويلًا، فقد ردّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( كذبوا، الآن جاء دور القتال ) )، إذ القتال لم يتوقّف، وليس هناك سبب موجب لتوقّفه، أو إعلان انتهائه، وكيف ينتهي، وفي الأرض أقوام زاغت قلوبهم؟.
ثمّ مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم أقوامًا أوفياء للقتال، ولم يذيلوا الخيل، ولم يضعوا السّلاح بل هم مقاتلون دومًا ومحاربون في كلّ حين: (( ولا يزال من أمّتي أمّة يقاتلون على الحقّ هذه هي الصّفة الأولى للطّائفة المنصورة، رضي من رضي وسخط من سخط، ومن سخط فليسخط على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحقّ لن يضيره أن يعرض عنه أكثر النّاس ) ).
(2) الصّفة الثّانية: في الحديث المتقدّم بيّن لنا الرّحيم بأمّته الشّفيق علينا موارد الاقتصاد والطّعام والغذاء والمال للطّائفة المنصورة: يقول صلى الله عليه وسلم: (( ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم السّاعة، وحتّى تقوم السّاعة، وحتّى يأتي وعد الله ) ).
إنّ ممّا يؤسف له أنّ عامّة التّنظيمات والجماعات الإسلامية، حتى الجهاديّة منها عندما يفكّرون بالمورد المالي، فإنّهم لا يخرجون عن تفكير أهل الباطل، أو أصحاب الدّنيا، فهم إمّا أن يبحثوا عن متبرّع محسن، أو يفرّغوا بعض أفرادهم للتّجارة والكسب، وهم بهذا جعلوا لأعدائهم عليهم سبيلًا، لأنّ هذه المنافذ لا يتقنها المسلم وخاصّة المجاهد، وعلى الخصوص في هذا الزّمان، حيث سيطر الكفر على هذه المنافذ، واحتاط منها حتّى لا يؤتى من قبلها، قد يستكثر علينا البعض طرح مثل هذا الموضوع، مع أنّه جدّ مهمٍّ وحيويّ، فالمال عصب الحياة، وقوامة الحياة عليه، قال تعالى: {ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا} ، فقد جعل الله المال للبشر قوامًا لهم، إذ بدونه لا قوام لهم، وليس من المستغرب أبدًا أن يرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر، وفي هذا الموطن الخطير، إذ أنّه يقول للطّائفة المنصورة: إيّاكم ثمّ إيّاكم أن تخجلوا من الحقّ الّذي تعلمونه، وإيّاكم ثمّ إيّاكم أن تضعفوا أمام إرجاف النّاس عليكم: سيسمّيكم النّاس لصوصًا، كما سيسمّون جهادكم قتلًا وتخريبًا، فلو أطعتموهم سيكون للكافرين عليكم قدرة وسبيلًا.
وأنا أستغرب من أولئك الذين يدعون النّاس للجهاد والقتال في سبيل الله، ثمّ يطلبون منهم أن يكتسبوا عيشهم من الوظيفة (وهي عبوديّة ورق القرن العشرين كما سمّاها العقّاد) ، أو يطلبون منهم أن يكتسبوا عيشهم بالتّجارة الّتي ستأخذ جلّ وعامّة وقتهم.
على المسلم أن لا يخجل من الحقّ الذي يملكه أمام ضغط الباطل وتشويهه للحقائق. أيها الاخوة المجاهدون: ظنّ بعض الجهلة أنّ قانون الغنيمة والفيء قد تغيّر هذه الأيّام، وهؤلاء كذّابون جهلة، فقانون الغنيمة - حيث يسلب العدوّ من عدوّه - مازال قائمًا وإلى الآن، وإلاّ فخبّرونا عن هذا الشّيء الذي تسمعونه في الخليج؟ ماذا تسمّونه؟ هل هو كما يسمّونه أجرة ومقايضة؟، حيث يدفع للجنديّ الغربيّ أكثر من ثلاثين دولارًا في السّاعة الواحدة، أجرة بدون طعامه وشرابه، وتنعّمه وفراشه، وبدون ثمن الآلات والمعدّات، وبدون الوقود وما شابه ذلك؟ هذا الشّيء الذي ترونه في البوسنة والهرسك ماذا يسمّى؟.
خبّرونا إن كان بقي في وجوه أصحاب التّقوى الباردة بقيّة حياء أهذا كلّه مشروع، ولكنّ ما يفعله المجاهد في الجزائر جريمة وشنار؟.
ثمّ عرّفونا يا أصحاب المعرفة أي طريق يعيش المسلم اليوم ليكتسب رزقه ولا يصيب مالًا حرامًا؟ وهل ما زال أطيب الطّعام وأنقى المال هو مال الغنيمة والفيء؟.
إنّ من العار أن نخجل من حقّنا، وغيرنا في باطله يتغطرس ويتبجّح، وليعلم الجميع أنّ من صفات الطائفة المنصورة أنّها تأكل من مال من أزاغهم الله تعالى، شاء من شاء أو أبى من أبى.) بين منهجين"26"بتصرف يسير مني.
وقال الشيخ الشهيد كما نحسبه سلطان العتيبي:
(ومن الأساليب الشيطانية لشراء الحركات الجهادية واحتوائها، سياسة الإغراق المالي، فتغدق الجهة أو الدولة التي تريد شراء الحركة، الأموال على الحركة بلا حساب وبلا شروط، حتى إذا تضخمت أنشطة الحركة