فهرس الكتاب
وعن جماعة من التابعين مثل ذلك، والقراءة في الكيف والمواضيع القذرة مكروه أشد من كراهيتها في الحمام.
ألا ترى أنا نكره القراءة لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراتاً، ونأمر القائم من النوم الطويل اللازم أن يستاك وينظف فاه قبل أن يقرأ القرآن، لئلا تخالط الريح الكريهة قراءته.
فالقراءة في النجس أولى بالكراهية، والقراءة في حال قضاء الحاجتين كذلك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يرد السلام على من سلم عليه وهو يبول.
وقال له بعد ذلك: «إذا رأيتني على هذه فلا تسلم علي، فإنك إن سلمت علي لم أردد» .
فإذا كان رد السلام يحاشى في حال البول، فقراءة القرآن أولى أن تكرم وتعظم والله أعلم.
وأما ترك التعمق في القرآن، فقد جاء عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ونحن نقرئ بعضنا بعضاً، فقال: «اقرأوا قبل أن تجيء أقوام يقرأونه، يقيمونه كما يقام المدح لا تجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» .
وقال حذيفة رضي الله عنه: اقرأ الناس للقرآن منا من يقرأه ولا ينزل منه حرفاً: واواً ولا ألفاً.
وقال الحسن: إن هذا القرآن قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله.
وقال الله عز وجل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ} .
وما يدبر آياته والله، أما والله ما هو يحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله وما أسقطت منه حرفاً، وقد والله لو سقط كله ما ترى في القرآن من خلق ولا عمل وحتى أن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفسي والله ما هو لا بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء، ولا الورعة.
ومتى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا أكثر الله مثلهم.
وأما قراءة الجماعة معاً تجهراً، فقد جاء فيها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، خرج على الناس وهم يصلون قد علت أصواتهم بالقرآن، فقال: «المصلي يناجي ربه، فلينظر من يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه نهى أن يرفع الرجل صوته بالقرآن في الصلاة، يغلط أصحابه، ومعنى هذا أن الناس إذا اجتمعوا يقرأون القرآن في صلاة أو غير صلاة، لم يؤمر بعضهم بالإنصات إلى بعض، لأن الإنصات إذا كان للقرآن، لم يؤمر بقطع القرآن للقرآن.