فهرس الكتاب
وَلَقَد غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فيِ ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوتادِ
أراد: أقاموا فيها.
قال المفسرون: (كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوا فيها) . قال الزجاج: (ويكون {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} : كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال الشاعر:
غَنينا زمانًا بالتصَعْلُكِ والغِنى ... وكُلاًّ سَقَاناهُ بكَأسَيهِما الدّهْرُ
قال: فمعنى (غنينا زمانًا) أي: عشنا زمانًا، بالتصعلك وهو الفقر).
ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} : (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى: إذا استغنى) وعلى هذا هو من الغنى الذي هو ضد الفقر، وليس من الإقامة في شيء ، يؤكد هذا المعنى ما روي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: (كأن لم ينعموا فيها) . ووجه التشبيه في: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر:
كأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ
بَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا ... صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ
وقوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} ، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر. قال ابن الأنباري: (ووقع التكرير لتعظيم الذم لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل [للرجل] : أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا) .
93 -قوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} ، قال الكلبي: (خرج من بين أظهرهم ولم يعذب قومُ نبي حتى يخرج من بينهم) .