(فَإِنْ قِيلَ) : وَلِمَ لَمْ يَذْكَرْ فِي سُورَةِ طَهَ إِيمَانَهُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ وَلِمَ أَخَّرَ فِيهَا اسْمَ مُوسَى ، وَقَدَّمَ اسْمَ هَارُونَ ؟ (فَالْجَوَابُ) عَنْهُمَا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مُرَاعَاةُ فَوَاصِلِ السُّوَرِ بِمَا لَا يُعَارِضُ غَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فِي غَيْرِهَا ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نَزَلَ قَبْلَهَا ، فَالْإِيمَانُ بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى هُوَ الْإِيمَانُ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ؛ لِأَنَّهُمَا قَالَا لِفِرْعَوْنَ: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (26: 16) وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ الْقُرْآنَ
لَيْسَ كِتَابَ تَارِيخٍ تُدَوَّنُ فِيهِ الْقَصَصُ بِحِكَايَتِهَا كُلِّهَا كَمَا وَقَعَتْ ، وَيَذْكُرُ كُلَّ مَا قِيلَ فِيهَا بِنَصِّهِ أَوْ بِتَرْجَمَتِهِ الْحَرْفِيَّةِ - وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابُ هِدَايَةٍ وَمَوْعِظَةٍ ، فَهُوَ يَذْكُرُ مِنَ الْقَصَصِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِيمَانُ ، وَيَتَزَكَّى الْوِجْدَانُ ، وَتَحْصُلُ الْعِبْرَةُ ، وَتُؤَثِّرُ الْمَوْعِظَةُ ، وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْرَارِ الْمَعَانِي مَعَ التَّفَنُّنِ فِي الْأُسْلُوبِ وَالتَّنْوِيعِ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ وَفَوَاصِلِ الْآيِ ، وَتَوْزِيعِ الْفَوَائِدِ وَتَفْرِيقِهَا ، بِحَيْثُ يُوجَدُ فِي كُلِّ قِصَّةٍ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا .
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ