وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ تَعْبِيرَ الْإِسْكَافِيِّ فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ أَوْسَعُ مِنَ التَّعْبِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ وَغَيْرُهُ وَأَبْعَدُ عَنِ الْإِشْكَالِ ، فَقَدْ قَالَ هُوَ: إِنَّ مَعْنَى الْحَالِ فِيهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ الْفِعْلِ وَإِدْنَائِهِ مِنَ الْوُقُوعِ ، وَهُوَ يَصْدُقُ بِجَعْلِ الْمُضَارِعِ لِلْحَالِ حَقِيقَةً أَوْ بِجَعْلِ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ قَرِيبًا جِدًّا حَتَّى كَأَنَّهُ حَالٌ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا
يَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ: تَخْلِيصُ مَعْنَى الْمُضَارِعِ لِلْحَالِ ، وَجَوَابُهُمْ عَنِ الْآيَتَيْنِ يَظْهَرُ فِي تَعْبِيرِهِمْ كَمَا يَظْهَرُ فِي تَعْبِيرِهِ هُوَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ مَا .
ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِدْقِ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ: (فَلَسَوْفَ) مِنْ كَوْنِ فِرْعَوْنَ ذَكَرَ فِي وَعِيدِهِمُ الْمُسْتَقْبَلِ أَنَّهُ قَرِيبٌ ، وَأَنَّهُ قَطْعِيٌّ لَا مَرَدَّ لَهُ ، سَوَاءٌ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِيضَاحِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْارَكِ ، وَرُبَّ جُمْلَةٍ أَوْ جُمَلٍ طَوِيلَةٍ تُؤَدَّى فِي الْقُرْآنِ بِجُمْلَةٍ قَصِيرَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ فِي كَلِمَةٍ كَاللَّامِ هُنَا ، وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ إِعْجَازِهِ الْلَفْظِيَّةِ فِي غَيْرِ الْأُسْلُوبِ وَالنَّظْمِ ، وَكُلُّهَا دُونَ إِعْجَازِهِ فِي بَيَانِ حَقَائِقِ الشَّرْعِ وَالْعِلْمِ ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤَدِّيَ هَذِهِ الدَّقَائِقَ بِالتَّرْجَمَةِ ؟ وَمِثْلُهُ فِي هَذَا مَا سَبَقَ ، وَمَا يَأْتِي مِنْ تَتِمَّةِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ .