فهرس الكتاب
ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه ، وتطالع السحرة الكهنة ، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم:
{وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ، فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك ، وانقلبوا صاغرين} ..
إنه الباطل ينتفش ، ويسحر العيون ، ويسترهب القلوب ، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب ، وأنه جارف ، وأنه مُحيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثئ كالفقاعة ، وينكمش كالقنفذ ، وينطفئ كشعلة الهشيم! وإذا الحق راجح الوزن ، ثابت القواعد ، عميق الجذور.. والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال ، وهو يصور الحق واقعاً ذا ثقل: {فوقع الحق} .. وثبت ، واستقر.. وذهب ما عداه فلم يعد له وجود: {وبطل ما كانوا يعملون} .. وغلب الباطل والمبطلون وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون:
{فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} ..
ولكن المفاجأة لم تختم بعد. والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى.. مفاجأة كبرى..
{وألقي السحرة ساجدين. قالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون} ..
إنها صولة الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر ، ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين.. إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم ، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر ، أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعداداً للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له ، لأنه أقرب إدراكاً لهذه الحقيقة ، ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور.
.ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق ، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين..