و (وَعْدُ) معناها - ميعاد - وعبر سبحانه وتعالى بوعد دون التعبير بميعاد؛ لأن ميعاد اسم للزمن، ويتضمن الوعد؛ وذلك لأن المصدر فيه إيذان بتوكيد ما وعدهم اللَّه به، وقد قرن سبحانه وتعالى فساد المرة الأولى ببعث الجيوش المخربة الهادمة أو المذلة لهم أو المذهبة لاستقلالهم.
وقد جعل سبحانه (بَعَثْنَا) جواب شرط لقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) وهي المرة الأولى للفساد، وهذه القضية الشرطية تفيد أن الفساد في الأمم يتردى إلى أن تكون نهبا للمغيرين عليهم، وأن الحصن الحصين لمنع غارات المغيرين هو استقامة الأمة في ذات نفسها وإقامة العدالة والحكم بالأمانة والعدل، وأما فسادها فإنه يؤدي إلى الانهيار وأن تكون طُعْمة للمغيرين يجدون فيها مغانم يغنمونها.
وقوله تعالى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا) وعبر سبحانه بـ (بَعَثْنَا) ، أي أنهم جاءوا إليهم كأنهم مبعوثون لهم مسلطون عليهم، وأسند سبحانه البعث إلى ذاته العلية؛ لأنه جاء على سنة الوجود التي سنها، ولن تجد لسنة اللَّه تبديلا، وهو أن الفساد يغري بالهجوم على الفاسدين، ولأن المغالبة الإنسانية تجعل القوي يأكل الضعيف ولا ضعف أكثر من استشراء الفساد فإنه يهدم كيانها ويعرضها للفناء، سنة اللَّه تعالى في الوجود.
وقال تعالى: (عِبَادًا لَّنَا) هنا إشارتان بيانيتان:
الإشارة الأولى: أنه عبر بـ (عباد) وذلك إشارة إلى أنهم خاضعون لإرادة اللَّه تعالى فيهم.
والإشارة الثانية: إضافتهم له سبحانه وتعالى بما يفيد الاختصاص، ومؤدى ذلك أن اللَّه جعلهم له لَا لأجل العبودية والطاعة، بل ليكونوا آلة تأديب وتهذيب لمن يخرجون عن الهداية ويقعون في الفساد، وهؤلاء الجبارون هم طُعْمة لغيرهم إذا فسدوا، وهكذا يتدافع الشر، ويدفعه أخيرًا الخير، (. . . وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251) .