وأمّا نُصْحُهُ - صلى الله عليه وسلم -
في أداء رسالته، ففي قوله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ(54)
ولو قَصّر لَتَوَجّه إليه اللّوْم.
ومنها: أنَّ الله تعالى نَزّلَ أمّته مَنْزِلةَ العُدولِ من الحُكّام، فإنّ الله
إذا حَكَمَ بين العِباد فجَحَدَ الأممُ بتبليغ الرسالة أحْضَرَ أمّةَ مُحمّد
صلَّى اللهُ عليه وسَلّم فيَشْهَدون على الناسِ بأنّ رُسلهم أبلَغَتْهم.
وهذه الخصيصَةُ لم تَثْبُتْ لأحدٍ من الأنبياء.
ومنها: عصمةُ أمّته بأنَّها لا تَجْتَمع على ضَلالةٍ في فَرْع
ولا أصل.
ومنها: حِفْظ كتابه، فلو اجتمع الأوّلون والآخِرون على أنْ
يزيدوا فيه كلمةً، أو يُنْقِصوا كلمةً لعجزوا عن ذلك. ولا يَخْفى ما
وَقَع من التبديل في التوراةِ والإنجيل.
ومنها: أنَّ الله سَتَرَ على من لم يتقَبّل عَمَلَه من أمّته. وكان مَنْ
قَبْلَهُمْ يُقَرِّبون القرابين، فتأكُلُ النارُ ما تقَبّل منها، وتَدَع ما لم
يتقَبّل. فيصبح صاحبه مُفْتَضَحا، ولمثل ذلك قال اللهُ تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(107) .
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:"أنا نبيّ الرحمة".
ومنها: أنَّه بُعِثَ صلَّى الله عليه وسَلّم بجوامع الكَلِم، واختُصِرَ
له الحديث اختصاراً، وفاق العَرَبَ في فصاحته وبلاغتِه.
وكما فَضّله الله على أنبيائه ورُسُله من البَشَر، فكذلك فَضّله على
مَن اصطفاه من رُسُله من أهل السماء وملائكته، لأنّ أفاضل
البَشَر أفضلُ من الملائكة، لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7) ،
والملائكة من جملة البريّة، لأنّ
البريّة الخليقة، مأخوذ من بَرَأ اللهُ الخَلْقَ أي اختَرَعه وأوْجَدَه.
ولا يَدْخُلُ الملائِكَةُ في قوله (إنَّ الذينَ آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ) لأنّ