{كُبِتُوا} ؛ أي: أذلوا وأخزوا. وذلك كما وقع للمشركين يوم بدر، فإن الله كبتهم بالقتل والأسر والقهر. يقال: كبت الله فلانًا إذا أذله. وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا، وقال ابن زيد: عذبوا، وقاله السدي: لعنوا، وقال ابن الشيخ: يصلح لأن يكون دعاء عليهم وإخبارًا عما سيكون بالماضي لتحققه؛ أي: سيكبتون. ويدخل فيهم المنافقون والكافرون جميعًا. أما الكافرون: فمحادتهم في الظاهر والباطن. وأمّا المنافقون: ففي الباطن فقط.
{كَمَا كُبِتَ} وأذل وأهلك وعذب {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من كفار الأمم الماضية المعادين المحادين للرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل: أقوام نوح، وهود، وصالح وغيرهم. وكان السريّ - رحمه الله تعالى - يقول: عجبت من ضعيف عصى قويًا، فيقال له: كيف ذلك؟ ويقول: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} .
وجملة قوله: {وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} حال من واو {كُبِتُوا} ؛ أي: كبتوا لمحادّتهم الله ورسوله، والحال أنّا قد أنزلنا آياتٍ واضحات فيمن حاد الله ورسوله ممن قبلهم من الأمم، وفيما فعلنا بهم، أو آيات بينات تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به.
والسؤال بأنّ الإنزال نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وهو إنما يتصور في الأجسام والآيات التي هي من الكلام من الأعراض الغير القارّة، فكيف يتصور الإنزال فيها؟
يجاب عنه: بأن المراد منه إنزال من يتلقّف من الله ويرسل إلى عباده تعالى. فيسند إليها مجازًا لكونها المقصودة منه. أو المراد منه: الإيصال، والإعلام، على سبيل الاستعارة.
{وَلِلْكَافِرِينَ} بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به {عَذَابٌ مُهِينٌ} يذهب بعزهم وكبرهم، من الإهانة بمعنى التحقير. والمراد: عذاب الكبت الذي هو في الدنيا، فيكون ابتداء كلام، أو عذاب الآخرة، فيكون للعطف، بمعنى: أن لهم الكبت في الدنيا ولهم عذاب مهين في الآخرة، فهم معذبون في الدارين. وقال بعضهم: وصف الله تعالى العذاب الملحق بالكافرين أولًا بالإِسلام وثانيًا بالإهانة لأن الإيلام يلحق بهم أولًا ثم يهانون به، وإذا كانت الإهانة ما في الآخرة .. فالتقديم ظاهر، وقد سبق غير هذا.