والمعنى: أنه لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن ديارهم، وأنه يبقون مدة، فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا} أي: بالقتل كما فعل بإخوانهم «بني قريظة» ، والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء.
قوله: {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ}
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بني النضير: «إن شِئْتُم قَسمْتُمْ للمُهَاجرينَ من أمْوالكُمْ ودِيَاركُمْ وشَارَكتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ، وإن شِئْتُم كَانَتْ لكُم ديَارُكمْ وأموالكُمْ ولَمْ نَقْسِمْ لَكُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيْئاً» . فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة»، فنزل: {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ} الآية.
قال ابن الخطيب: «وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن هذه الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات.
فذكر القرطبي: أن الترمذي روى عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رجلاً بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية».
وخرجه مسلم أيضاً: عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني مجهودٌ، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما عندي إلا ماء، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُضيف هذا الليلة رَحِمَهُ اللَّهُ؟
«فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله أنا، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟
قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج»، وذكر نحو الحديث الأول.
وفي رواية: فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله.