الوجه الرابع: عدم العلم ليس دليلًا على العدم.
وهي قاعدة مشهورة، وأكثر عمل الجهال على خلافها.
قال الغزالي: إن جريان الشمس من أسرتها المعروفة في فضاء الله الواسع مقرر فلكيًا، لم ينكره أحد قط، أن دوران الأرض حول الشمس لا يعنى أن الشمس ثابتة، وقوله تعالى: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} لا يعنى أن الشمس تغطس في الماء يوميًا ثم تخرج!! لم يدركوا ما يعرفه الأطفال عندنا أن اختفاء قرص الشمس في الماء؛ إنما هو في عين الرائي لا في حقيقة الأمر.
أما أن الشمس تسجد لربها؛ فإن الجماد والنبات والحيوان والكائنات جمعاء خاضعة لله، تسبح بحمده، وتهتف بمجده، وتلبى أمره، وهي طوع مشيئته ويوم لا يأذن للشمس في الشروق، وينهى أمر الدنيا، ويفتح يوم الحساب، فمن الذي يعصيه؟ ويظهر أن المساكين فهموا من سجود الشمس أنها تصلى ركعتين كسائر البشر! {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} .
الوجه الخامس: ليس معنى سجودها في الغروب الغروب.
فلم يلزم غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه (1) ، فالذي يظهر أن معنى"الغروب"قد التبس على قوم فظنوا أن المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -"أتدري أين تغرب"هو التواري التام عن نظر جميع أهل الأرض، وأن هذا من لوازم السجود المذكور، ولفظ الحديث لا يومئ إلى هذا؛ ولا يدل عليه فضلًا عن أن يكون من لوازم لفظ الغروب.
والحق أن المراد بالغروب الذهاب لا الغياب التام؛ كما فسرته لفظة الرواية الأخرى، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"أتدري أين تذهب"وهذا معنى صحيح من حيث اللغة وهو مستعمل عند العرب، قال ابن منظور: غرب القوم غربًا (أي) ذهبوا، كما أن باقي الحديث في روايات فيه"إنها تذهب ...".