لحكمة يعلمها الله تعالى فقد تأجلت هذه المعركة المركزية إلى حين، وفتح الله على عباده المجاهدين ساحات جهاد أخرى، انتقلوا إليها سواء لأداء واجب النصرة لإخوانهم هناك أو تحقيقًا لفريضة الإعداد.
فرأينا تسابق أبناء الجزيرة إلى هذه الساحات بدءًا من الساحة الأولى وهي أفغانستان في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وقد أبلوا هناك بلاء حسنًا قلَّ له نظير في هذا العصر، سجلوا ملاحم جهادية نادرة وفريدة في التضحية والشجاعة والإقدام.
ثم تلتها ساحة البلقان في بداية التسعينيات من القرن الماضي وكان تواجد أبناء الجزيرة هو الغالب، ذكروا الأمة بفتوحات أجدادهم لبلدان الصليب في عقر ديارهم ووقفهم على أسوار فيينا، مما أغاظ هؤلاء الصليبيين فعمدوا إلى المكر والخديعة لإيقاف هذا المد المبارك عبر ما يسمى باتفاقية دايتون، حيث نصبوا ممثلين ضعفاء وخونة لمسلمي البلقان، خاصة البوسنة والهرسك، ليدخلوا في هدنة مع صليبيي صربيا واشترطوا عليهم أن ينسحب ويخرج المجاهدون العرب من البلاد كشرط أساسي لإيقاف الحرب ومنح استقلال للمسلمين في هذا الإقليم، وكانت الفاجعة والمصيبة فبعد انسحاب المجاهدين عن مضض، سارع الصليبيون إلى ارتكاب مجازر كبيرة في عدة مناطق من البوسنة والهرسك في غياب أسود الجهاد الذين يمثل غالبيتهم أبناء الجزيرة.
وكانت بعدها جبهة الشيشان وبلاد القوقاز بصفة عامة، حيث اتخذها المجاهدون محطة أخرى من محطات إعدادهم، وكأن الله تعالى ينقلهم من جبهة إلى أخرى لمزيد من الإعداد والاستعداد للمعركة الكبرى الحاسمة على أرض الجزيرة.
ثم تلتها ساحة أفغانستان مرة ثانية، خاصة بعد الإطاحة بالإمارة الإسلامية وانسحاب الطالبان من المدن وإيثار التنازل على السلطة مقابل الحفاظ على أرواح المدنيين ولإعداد الكرة لاستقبال أحزاب الصليب وبدء حرب طويلة الأمد في عقر دار الإسلام، والتي ما زلنا نعيش مشاهدها وحلقاتها المثيرة، تستنزف العدو وتحطم كبرياءه وتهدم عروشه.
جاءت بعدها ساحة العراق لتكون حلقة جديدة من حلقات الإعداد لأسود الجزيرة، وهي بلا شك من أهم المحطات على الإطلاق لأنها شهدت ميلاد تقنيات عسكرية فريدة في مواجهة جيوش المحتل وعساكر الردة والنفاق، وكانت دولة العراق الإسلامية بمثابة جامعة لتخريج قادة حرب من طراز جديد لم يعرفهم التاريخ من قبل، وما زالت هناك مفاجئات كبيرة وكثيرة يدَّخرها مجاهدو الدولة الإسلامية ليوم قريب.