بقلم؛ أبي سعد العاملي
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد؛
لقد خلق الله الخلق وبعث إليهم أنبياء ورسلًا للقيام بعبادته وتحقيق التوحيد {وما خلقت الحن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات 56] ، وقوله عز من قائل: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] .
فمدار الدعوة كلها منذ أن خلق الله آدم وإلى قيام الساعة هما هذان الأمران: عبادة الله عز وجل وتحقيق عقيدة التوحيد. وكل ما عارض أو وقف في سبيل تحقيقهما، وجب البراءة منه ومعاداته ثم محاربته، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ومن صفات فتية الحق استعلاء الإيمان والتضحية بكل ملذات الدنيا وشهواتها وترك الأهل والعشيرة والمناصب في سبيل الهجرة بالدين والحفاظ على العقيدة، والتحدي الكبير والواضح للجاهلية ولكل قوى الباطل، حتى وإن اضطر الأمر أن يلجأ الإنسان إلى كهف مظلم لا يوفر أبسط ضرورات الحياة، فالمؤمن لا يمكن أن يضحي برأس المال في مقابل الحفاظ على الربح، فضلًا عن أن يضحي برأس ماله في مقابل لا شيء فما عند الله خير وأبقى، وأحلى وأعظم قيمة مما يعده أهل الباطل به في مقابل التنازل عن عقيدته واتباع القوم على باطلهم.
فالدنيا في نظر المؤمن لا تعدو أن تكون مجرد ساعة من النهار، فهو يحرص على أن يجعلها طاعة لله، ليلقى الجزاء الأوفى في الحياة الأخرى.
وهذا ما حصل لفتية الكهف حيث آثروا الفرار إلى الله تعالى والزهد في دنياهم، فلجأوا إلى الكهف بعقيدتهم ودينهم وتركوا الدنيا وملذاتها وراء ظهورهم بعدما كانت في أيديهم، وهذا هو الزهد الحقيقي والإيمان المثالي الذي يستحق أن يخلده رب العزة في كتابه الحكيم، ليكون مثلًا أعلى للأجيال القادمة حتى قيام الساعة.
ولكل زمن فتيته، ولكل وقت كهفه، ويبقى الكهف رمزًا لأهل الحق وملجأ لهم في كل زمان ومكان، إنه يتغير شكلًا وحجمًا ولكن يظل هو هو جوهرًا وروحًا.