فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 735

الكاتب: أبو سعد العاملي

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أستعين، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه المجاهدين، وبعد:

من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن بعث فيهم رسلًا مبشرين ومنذرين، ومجسدين للرسالات التي كانوا يدعون الناس إليها، فكانوا نعم القدوة والمثال في الضراء قبل السراء، حتى يعلّموا أتباعهم وأصحابهم كيف يثبتوا على المبادئ وكيف يحملوا هذه الدعوات في نفوسهم ابتداء ثم ينشروها بين الناس ويصبروا على تبعات مهمة الأنبياء والرسل التي ورثوها {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين. . . الآية} .

ومن نِعَم الله عز وجل أيضًا على هذه الأمة الخاتمة، أن ترك لها زخمًا من الأمثلة والنماذج مسطرًا ومسجلًا إلى يوم القيامة كشاهد عليها وكحافز لها حتى لا يصيبها اليأس والقنوط والإحباط عن أداء هذه المهمة التي ابتعثها الله من أجلها {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. . . الآية} ، أو كما قال ربعي بن عامر لرستم الفرس في معركة القادسية:"إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" [انظر كتب السيرة - معركة القادسية] .

هذه النماذج الكبيرة والعظيمة، ستظل دومًا تذكرنا بواجباتنا الشرعية وتقذف في قلوبنا الأمل في تحقيق النصر والتمكين لدين الله والعزة والاستعلاء بالانتماء إلى هذه الأمة الوسط حتى وإن كنا نعيش أحلك الظروف وأصعب المراحل {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} . [آل عمران 140] .

فالمؤمن لابد أن يفهم بأن الأيام دول، فيوم لنا ويوم علينا، وبأن رحى الإسلام دائرة رغم كل الأحوال، وينبغي على أهل الحق أن يدوروا مع الحق حيث دار، فهذا حسبهم، والإيمان بالنصر بداية النصر، كما ينبغي أن نفقه جيدًا بأن وعود الله تعالى لعباده هي في الوقت ذاته أوامر لنا، حتى نسعى لتحقيقها في الواقع، وعدم الاكتفاء بانتظار المعجزات، فالله سبحانه يؤكد على هذه الحقيقة في قوله {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} [النساء] ، لابد من الجهد البشري الذي هو الشطر الثاني لتحقيق النصر بعد معية الله عز وجل وتوفيقه الذي يمثل الشطر الأول والأهم {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} [الأنفال] . وكما في قوله تعالى مخاطبا نبيه الكريم {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} ، فالجهد البشري ضروري، وبه نحقق عبودية الله عز وجل وتتحقق وعوده سبحانه.

والأمة اليوم وخاصة رأس حربتها الذي يتمثل في الطائفة المنصورة، تعيش فترة مخاض ومحنة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ورغم هذا كله، ما زال في الأمة من يدّعي العكس، أولئك الذين غرقوا في سكرة الجهل والبدعة، فركنوا إلى الذين ظلموا، فلا يرون إلا ما يريهم هؤلاء الفراعنة وسحرتهم، فتحولوا إلى مادة للظلم والغواية والفتنة، ودرعًا واقيًا لهؤلاء الطغاة يحتمون به وهم يواجهون هذه الطائفة المنصورة، القائمة على أمر الله، والماضية على طريق الدعوة والجهاد، مستنيرة بما خلّف لها سلفها الصالح من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت