فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 735

ملاحم وبطولات ومواقف، سيظل التاريخ البشري يعتز ويفتخر بها حتى قيام الساعة.

وأمام هذه الفتن والمحن، يقف الكثير من أبناء الأمة موقفًا سلبيًا يزيد الجرح عمقًا والخرق اتساعًا، وهو أشبه بموقف بني إسرائيل مع نبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، حيث قالوا {أوذينا من قبل تأتينا ومن بعد ما جئتنا} ، وهو نفس الموقف الذي وقفه المنافقون في معركة الأحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} [الأحزاب 12] .

وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم، فها هي أفول المنافقين والمرجفين وضعاف النفوس والقلوب يقولون أعظم من هذا بكثير، ويلقون باللوم على المجاهدين بسبب ما يصيبهم من بعض ذهاب الدنيا أو نزول بعض الأذى، وأغلبهم بعيد عن ساحة المعارك بآلاف الأميال، فكيف بمن يذوق مرارة البطش والأذى والظلم والقتل والتشريد وهو صابر محتسب، يشكو بثه وحزنه إلى الله، بينما نحن نزيدهم نكالًا إلى نكالهم بألستنا الحداد، وبقلوبنا الأشحة.

إن الذين تقاعسوا عن الجهاد وآثروا الحياة الدنيا وملذاتها على ما عند الله، والذين جبنوا على تحمل تبعات الجهاد وتبعات إيمانهم المزعوم، يريدون من المجاهدين أن يكونوا مثلهم حتى يتساووا معهم في الإثم والمعصية، فمثلهم {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله والله شديد العقاب} ، ذلك لأن خروج المجاهدين إلى المعركة هو بمثابة عملية فضح وغزالة الستار عن هؤلاء المتقاعسين الجبناء، فتنكشف سوءاتهم وضعفهم وحقيقتهم المخزية أمام الناس.

أما حينما يقعد الجميع عن الجهاد فإنهم يكونون مستورين، وبإمكانهم أن يدّعوا الصدق والإخلاص وحتى الجهاد {ألو تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لني لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال إلا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم والله عليم بالظالمين} [البقرة 246] .

ومن هنا ندرك الأسباب التي تدفع بهؤلاء المتقاعسين القاعدين أن يشنوا تلك الحملات الشعواء على الجماعات الجهادية، إنه البغض والحسد من عند أنفسهم حينما يرون هؤلاء المجاهدين يؤدون واجباتهم ويلبون نداءات ربهم بينما هم منزوون ينتظرون الزمن أن ينوب عنهم لتغيير الأوضاع، وهو النزول عند رغبة إبليس في إعطاء هذه النصائح الشيطانية المثبطة للطلائع المجاهدة {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} ، إن الأنظمة الطاغوتية قد حشرت لكم جنودها وعملاءها فاخشوهم، وأبقوا على أنفسكم، إننا لكم ناصحون.

إنها في الحقيقة محاولات للتثبيط، ومحاولات لإطفاء جذوة الجهاد المتقدة في نفوس الطائفة المنصورة لصرفها عن أداء واجبات الجهاد، وهيهات هيهات.

ويبقى الصنف الأخير الذي يهمنا في هذا المقال، وهو الفئة التي تعيش لمبدئها وعقيدتها، فالعقيدة تمثل كل شيء في حياتها، فلا يستبقون شيئًا في أنفسهم لا يبذلونها لها، فبالرغم من الحصار وبالرغم من القصف والتعذيب، وبالرغم من النقص في الأموال والأمن والثمرات والراحة، فهم ماضون ثابتون على عقيدتهم، حريصون عليها أشد الحرص.

بالرغم مما يرون ويسمعون من جمع الناس لهم وتخويفهم من عتادهم وأسلحتهم، فهم ماضون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت