لكنهم حينما سمعوا منادي الجهاد، أدركوا أن هناك واجبات كبرى وحقيقية ينبغي القيام بها، فهاجروا ليعدوا العدة ويشاركوا بأنفسهم في هذا الجهاد المبارك - على كل أرض يوجد فيها جهاد ومجاهدون - يتنقلون بين أرض وأخرى، يبتغون الشهادة ولا شيء غيرها، ثم هاهم قد وصلوا إلى المحطة الأخيرة، حيث اختارهم الله تعالى ليكونوا من زمرة الشهداء، {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء} [آل عمران] ، وليكونوا قربانًا لله تعالى ليلبوا نداء ربهم {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء75] ليخرجو هذه الأمة من هذا الهوان والاستضعاف، فقدموا أنفسهم رخيصة في تلك الغزوات المباركة وهم يعلمون أن لا رجعة بعدها إلى هذه الدنيا الفانية، بل هو تقدم وولوج إلى جنات الخلد - إن شاء الله -. فكانت هذه آخر حلقة من سلسلة التضحيات الجسام في رحلة الإيمان والهجرة والجهاد.
وهل ثمة شيء أغلى من النفس التي بين جنبيك لكي تقدمها لبارئك عز وجل، ولكي تشتري جنة عرضها السماوات والأرض؟
إنه ثمن العقد الذي أبرمناه مع رب العزة حينما قبلنا الانتماء لهذا الدين {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}
إنه من أهم العناصر التي يتميز بها التنظيم الجهادي عن التجمعات الإسلامية العادية، حيث أن تحركات الأفراد ينبغي أن تكون دقيقة ومحسوبة، ولا يُترك شيء سدى.
وقد رأينا هذا العنصر أكثر حضورًا وأعمق تجذرًا في هؤلاء الأبطال الذين قضوا نحبهم في كل غزوة خرجوا فيها، وكذلك في الذين ينتظرون داخل التنظيم، لإيقاع المزيد من الأذى والألم والنكاية في الأعداء.
وما كان لهم أن يحققوا ما حققوه من نجاح في هذه الدنيا وينالوا ما نالوه من شهادة عليا - عند ربهم -، بغير الانضباط والطاعة لقياداتهم.