فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 735

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

لا يختلف اثنان على أن معركة الإسلام مع خصومه اليوم قد أخذت أشكالًا متعددة وأنها قد غطت جوانب كثيرة جدًا لا يسع المسلم الصادق سوى البحث عن موضع قدم له في إحدى ساحاتها وثغورها العديدة، ليقوم بما هو أهل له من واجب الدعم والمشاركة الفعلية بما يستطيع، نصرة لدينه والدفاع عن الحق الذي يحمله، على الأقل بنفس العزيمة والإرادة التي يقوم بها أعداؤه لنصرة باطلهم.

النفقة في العسر كما في اليسر

والنفقة إحدى أهم وأوسع أبواب العمل الصالح والمشاركة الفعلية في هذه الحرب المستعرة، فينبغي علينا أن ننظر إلى مفهوم النفقة بشموليته، فهو لا يتعلق فقط بالمال،- كما قد يتبادر إلى الأذهان-، بل لابد من إنفاق كل ما يملك المسلم في سبيل الله، أو بالتعبير القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمُُ لا بَيْعُُ فِيهِ وَلاَ خُلَّةُُ وَلا شَفَاعَةُُ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون} [1] .

فأنت مطالب أيها المسلم بأن تنفق كل ما وهبك الله إياه من رزق ولا تبخل به إن كنت صادقًا في انتمائك لهذا الدين، لأنك إنما تبخل على نفسك، وإذا أنفقت فستجد ذلك عند الله، فلمَ البخل إذن؟

هذا فضلًا عن أن النفقة تنجي صاحبها من التهلكة بدليل قوله تعالى {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} . [2]

روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، عن أسلم أبي عمران، قال حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. [3] .

أقول: انظروا كيف ذمَّ الله تعالى أناسًا قد أقاموا دولة الإسلام بأموالهم ودمائهم، فأرادوا القعود مع الأهل والمال، بعد ما ظنوا أنهم قد قاموا بما عليهم من واجب، فماذا نقول في أمتنا التي بخلت على دينها في وقت تكالب عليها الأعداء، وغابت فيها شرائع الإسلام وحلَّ محلها الكفر والردة والنفاق؟

وتتطلب مرحلة الدعوة أيضًا إنفاق المال وهو أعلى مرتبة من الوقت من حيث الأهمية، فكثير من الناس يستطيعون إنفاق أوقاتهم في سبيل الدين، ولكنهم يبخلون بالمال، ومن أجل ذلك ذكره الله تعالى في جميع آيات الجهاد قبل النفس مباشرة، باستثناء آية البيعة حيث قُدِّمت النفس على المال وذلك في قوله تعالى {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة} [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت