ولكي نقف عند المفهوم الحقيقي للفتنة، لابد من الرجوع إلى النصوص القرآنية التي نزلت لتعرّف هذا المصطلح وتصحح المفاهيم الخاطئة حولها، ونحن نعيش فترة شبيهة بما كان يعيشه الصحابة الكرام، مرحلة الإعداد والدعوة وسط حصار الكفار وتحالفاتهم.
الفتنة أكبر من القتل:
قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
يقول ابن كثير رحمه الله:
(قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني الحضرمي عن أبس السوار عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطًا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله فحبسه وأرسل عليهم عبد الله بن جحش وكانوا ثمانية كلهم من المهاجرين، ومعه كتاب مغلق وكلفه ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين، فلما فتحه وجد به؛"إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخلة - بين مكة والطائف - ترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم ولا تكرهن أحدًا على المسير معك من أصحابك"، وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى.
فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب، قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه، قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منها بخبر، وقد نهى أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك رجع، فأنا ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم.
فسلك الطريق على الحجاز، حتى إذا كان ببعض الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما، فتخلفا عن الركب ليبحثا عن البعير، ومضى الستة الباقون.
حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عمرًا ابن الحضرمي وأسرت اثنين وفر الرابع وغنمت