الحمد لله الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى، الحكيم الخبير، القائل في محكم كتابه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71] ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيِّد الخلق أجمعين القائل:"إنَّما النساء شقائق الرجال" [1] ثمَّ أمَّا بعد؛
الإسلام يدعو الرجل والمرأة إلى القيام بدورهما المتكامل من أجل عبادة الله وعمارة الأرض، ولا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، بسبب هذا الارتباط الفطري الذي أودعه الله في كلِّ واحد منهما، ويعزِّز ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] ، وقوله سبحانه: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187] ، وكل هذه المعاني لا يمكن أن تتحقَّق خارج رحاب الإسلام وبدون الالتزام بأوامر الله جلَّ وعلا واجتناب نواهيه.
وكلُّ من يحاول البحث عن مصادر أخرى للمودة والرحمة والسكن الآمن خارج شرع الله فمصيره التيه والضياع {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] ، والذكر هنا رمز لعبادة الله وطاعته والخضوع لأوامره، كما أنَّ المعيشة الضنك تشبه ذلك الأعمى الذي لا يبصر ما حوله ولا يدري أين المسير، فكما كان أعمى عن أوامر الله ونوره وهديه في الدنيا فإنَّه كذلك سيُحشر في الآخرة أعمى ولن يستحقَّ نعيم الله وثوابه الذي أعدَّه الله لعباده المؤمنين.
والخطاب القرآني واضح جليٌّ، ويعزِّزه الواقع الذي نعيشه اليوم، حيث نرى أنَّ التيه والضياع هو السمة البارزة لحياة كل من حاد عن نهج الله وآثر اتِّباع غير منهجه من هذه المناهج والمذاهب العقلية والمادية المنتشرة هنا وهناك.
أخطر من هذا أنَّ هذه المذاهب المادية وأربابها يتَّخذون هذه النظريات وسائل وغطاء لاستغلال الإنسان من أجل تضخيم ثرواتهم، ويعتبرونه مجرَّد آلة للإنتاج ولترويج بضائعهم المادية والمعنوية للزيادة في إفساد الحرث والنسل، وأول ضحايا هذه الطاحونة الضخمة الخبيثة هي المرأة، بحيث أفسدوا فطرتها عن طريق التربية الفاسدة وحبَّبوا لها الاختلاط والميوعة والتبرُّج حتى زهدت في أفضل ما تملكه وهو عفّتها وعرضها، فتحوَّلت إلى بضاعة ووسيلة للإغراء والإفساد في المجتمع.
وهكذا خرجت من البيت وتركت مهمَّتها ومهنتها السامية وهي تكوين النشء عبر التربية والتوجيه والمتابعة، وصارت تزاحم الرجل على الإنتاج المادي وتلهث وراء إرضاء شهواتها ورغبات أرباب المفسدين في الأرض،
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والإمام الترمذي في كتاب الطهارة.