حيث كان رسولًا من أولي العزم، وكليم الله تعالى، وصاحب معجزات عديدة لم تكن للرسل والأنبياء من قبله، وصاحب كتاب منزل فيه الكثير من التوجيهات الربانية والعلم الذي لم يكن لمن قبله.
ولكن هذا لا يحق لأحد مهما كانت درجته ونوعية شخصيته، لأن العلم نسبي ويتفاوت فيه الناس، كما أن لكل واحد نوع من العلم قد يتميز به عن الآخرين، ولا ضير في هذا ما دام أن هناك تكامل وتعاون وملء للثغرات من قبل هؤلاء العلماء، وليس التضاد والاختلاف والعياذ بالله.
التواضع في طلب العلم:
وهي من الصفات الضرورية لكي تتحقق الاستفادة ويتم التحصيل، إلى جانب عدم الاستحياء في مقابل التكبر والحياء وهما الصفتان اللتان تكبلان المرء عن التعلم وتجعله دومًا مغرورًا بنفسه يحسب أنه على شيء وهو أبعد ما يكون عن طالب العلم الحقيقي فضلًا عن أن يكون ذلك العالم الموهوم.
والعالم الحقيقي يكون متواضعًا بطبعه ويكون أخشى الناس وأبعدهم عن الرياء والزهو وحب الظهور، ومهما بلغ المرء
من درجة العلم فإنه يبقى محدودًا وغير ذي قيمة مقارنة مع علم الله الواسع {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} ، والله تعالى أراد لعبده موسى عليه السلام أن يتعلم من خلال ما أودعه الله في قلوب عباده، والعلم مثله مثل الرزق، هناك ما يحصل عليه المرء بالكدح واتخاذ الأسباب، وهناك نوع يهبه الله لمن يشاء من عباده لكي يكون حجة على بقية عباده، ولحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، ومنه ما آتاه عبده الصالح الخضر، الذي طلب من موسى أن يذهب للقائه، فكان منه ما كان.
فما كان من موسى إلا أن يستجيب لأمر ربه، وينطلق للبحث عن العبد الصالح، من أجل تحصيل ما خفي عنه من علم والاستفادة من غيره.
من هنا ينبغي على العلماء وطلبة العلم أن يقتدوا بموسى عليه السلام في تعاملهم مع غيرهم بعدم ادعاء العلم المطلق والتواضع في طلب ما خفي عنهم من أوجه العلم المختلفة، ولن يستطيعوا إدراك ذلك ولو حرصوا، لأن العلم أوسع من أن يُدرك كله، ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، بل ينبغي الاجتهاد في التحصيل مع التواضع، واعتقاد أن ما عند الآخرين من علم ومعرفة يعتبر تكملة لما عندك ووجه آخر من أوجه العلم الواسع، فالله تعالى يفرق هذا العلم على عباده كل حسب طاقته ومدى تجاوبه وانتفاعه بهذا العلم، وكذلك حسب